عمان وذاكرة الجوع والخوف

إبراهيم غرايبة

"الجوع والخوف يفسران كثيرا من السياسة وأسلوب الحياة"
أظن أنه من الأنسب أن تشمل عمان جميع المدن والبلدات الأردنية، وأن يكون مجلس أمانتها يتكون بالإضافة إلى مناطقها العشرين رؤساء البلديات المائة، فالواقع أن عمان هي الأردن، ولم تعد المدن والبلدات جميعها بلا استثناء سوى ضواح لعمّان، وعندما يكون لدينا قطار سريع (على خير وهداة بال!) فإن المسافة من العقبة إلى عمان لا تحتاج أكثر من ساعة، وليس كثيرا ولا صعبا أن يكون الأردنيون مدينة واحدة، ثم ينشئون عمليات استماع طويلة ودؤوبة لبعضهم بعضا.. كيف ينشئون مدينتهم ومؤسساتهم ومدارسهم وعياداتهم.. وعلاقاتهم ببعضهم بعضا؟.
لقد تضخمت عمان بسرعة وصارت تغصّ بساكنيها ليس فقط فيزيائيا ولكن اجتماعيا وثقافيا أيضا، وما نشهده كل يوم بل وفي كل لحظة من أزمات واختناقات وخناقات في الشوارع والمؤسسات، أو من اعتداء على المرافق والشوارع والأرصفة كما القانون والقيم ليس سوى أزمة المدينة التي لم تعد مدينة وأهلها الذين لم يصيروا مواطنين، ولنلاحظ أن المواطنة والمدنية كلمة واحدة في بلاد ولغات المنشأ!
في جميع أنحاء العالم يستخدم التاكسي باعتباره ترفا أو وسيلة نقل للسياح والأغنياء إلا في عمان، فهو وسيلة نقل يومي ضرورية يمكن ان تستخدمها في اليوم ثماني مرات كما يحدث معي على سبيل المثال، ... وتتلقى في اثناء ذلك قدرا من الارهاق المالي والنفسي والجسدي يفوق الاحتمال. وتستطيع ان تشتري سيارة في عمان لكنك لا تستطيع استخدامها وإذا استخدمتها لن تجد مكانا توقفها فيه.
تنشئ المدن شخصيتها وفضاءها لكن لا مسرح في عمان ولا موسيقى ولا فنون ولا شعر ولا قصة ولا فرح ولا سينما ولا دراما ولا ماء ولا خضراء،.. مدينة العابرين التائهين والمتسولين والخارجين على المجتمع والخارجين منه. لا يجد أهلها مكانا يلجأون إليه في الأمسيات على نحو يعبر عن تطلعهم للارتقاء بأنفسهم أو لإنشاء أسلوب حياة حول الثقافة والفنون، ولا مجال فيها للإجازة، ليست سوى معسكر للعمل عديم المعنى والجدوى أو مخيما عملاقا للاجئين (اللاجئون بالمعنى الجوهري والروحي والنفسي) تنتظر في ملل أن يأتي وقت العمل، ليس لتعمل، لكن لتهرب من ذاتك، حتى أولئك الذين يملأون المولات والفاردات والجاهات والصالات ليسوا سوى هاربين من أنفسهم، فلا يمكن أن يكون في مدينة عملاقة مزدحمة فاردات وجاهات وبيوت عزاء تقام في وسط الشوارع، ويأتي إليها أشخاص لم يأتوا من قبل إلى بيت المتوفى، أي عزاء هذا، وماذا يمكن أن يخففوا من أحزان أناس لا يعرفون بيوتهم، ويحتاجون أن توضع لهم لوحة إرشادية على كل شاخصة مرورية وإشارة ضوئية؟ لا يمكن أن يكون ذلك إلا في تجمعات ليست سوى ساحات ومتاهات لا تربط الناس فيها ببعضهم بعضا سوى الخوف،.. كيف تنتشر الدواوين العشائرية والمناطقية في مدينة عملاقة وعاصمة سياسية لولا أن الناس لا يجدون فيها أندية ومرافق وروابط تغنيهم عن هذا الهروب، .. إذ ليست الدواوين سوى الخوف والهروب، والبحث عن ملجأ في هذه المتاهة المخيفة!
حين لا تجد ذاتك ولا مصالحك ولا الخدمات التي تحتاجها في الصحف والإذاعات ومحطات التلفزيون ومواقع النت على كثرتها فأنت غريب، وتكون خياراتك أن تنطوي على نفسك وتنشئ فقاعتك وحضارتك وأوهامك وأحلامك، .. أو تتحول إلى فاتك تشعر بالاختلاف والنفور من كل ما هو مختلف، لكن كل ما حولك مختلف عنك، لست في هذه المدينة سوى الآخر!

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018