صعود الفرد في مواجهة المجتمعات والسلطة

إبراهيم غرايبة

في صعود الفرد والفردانية وانحسار الدور الاجتماعي والأخلاقي للدول والمجتمعات، يشعر الفرد اليوم بأزمة تكاد تفوق أزمة الهيمنة والوصاية التي خضع لها قرونا طويلة، يحدث له اليوم مثل قصة المتصوف الذي أمضى أربعين عاما يسير في الطرقات باحثا عن اسم الله الأعظم، وفجأة لقيه طفل في طريقه، فقال له: أنت اسم الله الأعظم، لكنه حين عرف اسم الله لم يعد يعرف ماذا يفعل، فلم يكن يفعل من قبل سوى البحث. هكذا فإن الفرد الذي يظل يناضل في مواجهة التنظيم والتنميط الاجتماعيين والأخلاقيين لم يعد يعرف ماذا يفعل وكيف يفكر ويميز وحده من غير مرجعية دينية أو مجتمعية بين الصواب والخطأ وبين القبيح والحسن. وهكذا أيضا يمكن فهم وتفسير الأزمات الاجتماعية والسلوكية الجديدة.
نحتاج إلى تأمل طويل لملاحظة التحول أو التشوه الذي أصاب الإنسان على نحو متراكم بفعل التنشئة الاجتماعية والسلسلة الطويلة المتراكمة من الشرائع والمنظومات الدينية المؤسسية، كيف يستعيد ذاته وينعتق من كل هذا الركام ويكون في الوقت نفسه أقدر على تحقيق السلام وحماية وتطوير العقد الاجتماعي؟ كيف يحل الضمير محل الدين والمجتمع في التنظيم الاجتماعي والسياسي والبناء الإيجابي للعلاقات الاجتماعية؟ كيف ينظم الناس أنفسهم ومصالحهم من غير أحزاب ومنظمات اجتماعية، أو ليكن السؤال كيف تعمل المنظمات الاجتماعية الجديدة في ظل قيم الفردية؟
لقد أنشأت الحضارة الإنسانية بمركزية الدين ثم الدولة والمجتمع منظومة من القيم والأخلاق مليئة بضدها، صحيح أن منظومة "القلاع والهياكل" أنشأت المدن والشرائع والتنظيمات القانونية، وحسّنت الحياة إلى مستويات مدهشة، لكننا في حاجة اليوم لنعرف ماذا أصاب الفرد من تشوه، وما الذي يجب التخلص منه أو التمسك به، فكثير مما كان يبدو خلقا جميلا صار رذيلة يجب التخلص منها، كانت القلاع والهياكل تحمي حياة الناس وتقدم المعرفة أيضا، أو تنظم الحصول عليها، لكن الإنسان الفرد في مقابل الحياة والمعرفة تحول إلى تابع للقلعة وطبال في الهيكل! بلا ملاءمة حقيقية أو جميلة لما يريده بالفعل وما يحتاج إليه وما يحب أن يكون عليه!
وحولت السلطات والمؤسسات الدينية توق الإنسان إلى الارتقاء والمعرفة والمعنى والجدوى إلى جموع منظمة تمضي في حماس وصدق وذكاء إلى النشوة بدلا من المعنى، والترفيه بدلا من المعرفة، وإلى النظر إلى الذات بدلا من الكون، والاكتفاء بالانتماء بدلا من الغايات والجدوى، وصناعة الوهم بدلا من الحكمة، وتحويل الثقة والفضول والاستعداد إلى قرابين تمضي مثل العجول في المسالخ إلى الموت والبطولة الجوفاء.
أصبح ذكاء الفرد وتفرده عبئا على المؤسسات الاجتماعية والسياسية، فلا تستطيع أن تظل فردا كما أنت، لأنك لا تقدر على الانتماء والمشاركة إذا لم تشبه الجموع المنتظمة والمتشابهة والمتحمسة على نحو يجعلك مختلفا أو خارجا على السياق وربما مجنونا، فيتحول لأجل أن يبقى ويتقدم إلى أبله متسول، ويتخلى عن براءته الفطرية لينشئ استجابات وتكيفات تلقائية مع القيم التنظيمية السائدة والمعدة لأجل الطاعة والولاء أكثر مما هي للإبداع والانسجام.
وفيما يحسبه تحايلا ذكيا للتوفيق بين انتمائه وحكمته المستقلة، يحول صدقه ونزاهته إلى وهم وتُقْيَةٍ، ويحسب أنه قادر على التظاهر بالانتماء وهو متفرد، أو أنه يسير في رحلتين متوازيتين؛ رحلة الذات ورحلة الجماعة، لكنه أنشأ قيما هائلة ومطورة من البلاهة والندم ليحمل نفسه على الانتماء والتكفير في الوقت نفسه عن خطيئته، وكان ذلك أفضل وأهم ما حصلت عليه المؤسسات والنخب السياسية والدينية، إذ يتحول إلى كائن متوقع ومنسجم.
هكذا تمضي متوالية تشكيل الفرد لذاته، فيحمي مصالحه مع الجماعة المهيمنة بالكذب، ويحمي ذاته من الكذب بالاحتقار والتخلي عن الكرامة، ويدرك على نحو لا يريد أن يعترف به أنه لن يحصل على متع الحياة في ظل هذه القلاع والهياكل إلا بالكذب واحتقار الذات، وحين يطلب منه أن يعمل ويواجه مخالفا ضميره وفكرته عن الحياة والكون يستعين بالكراهية، فإذا كانت الإساءة والظلم خطأ فإنه يصير يعتقد أن هؤلاء الذين يغشهم أو يظلمهم لا يستحقون العدل والعطف، يصبح العدل يخص الجماعة وليس قيمة حياتية مطلقة ومستقلة! فيكون بذلك قادرا على المشاركة في سياسات القتل والاعتداء والظلم والتمييز وفي الوقت نفسه يكون محبا للحياة وأسرته وأطفاله ومواطنيه وجماعته!
وأخيرا تجد أنك لن تكون قادرا على العمل مع القلعة والهيكل وأنت أنت، ولن تحظى بالبركة والأمن وأنت غير قادر على أن تكون غير أنت، فلا تعود تعرف ذاتك إلا بالجماعة، ولا حيلة لك سوى التفاهة والخواء، وقد تحصل على متعة عابرة رديئة متاحة أو على وعد بالنعيم المقيم بعد الموت!

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018