بين الصورة الإعلامية والـPR

محمد أبو رمان

تمكن رئيس الوزراء د. عمر الرزاز، خلال فترة قصيرة، من تغيير الصورة الإعلامية بالكامل، وأحدث فرقاً ملحوظاً في مزاج الشارع تجاه موقع رئيس الوزراء؛ واستثمر جيّداً في الكارزما التي يمتلكها، لكن هذه الصورة قد تنقلب إلى "الضد" تماماً إذا لم يتبعها تغييرات نوعية، ولم يتم تطبيق الوعود وترجمة الخطاب على أرض الواقع.
منذ الأيام الأولى، خرج الرئيس من عباءة الحكومات السابقة، وقدّم نموذجاً مختلفاً، فزار الحدود واطمأن على الأوضاع في شمال المملكة، وذهب إلى بركة البيبسي، ثم إلى مستشفى البشير، ومكتبة أبو علي، وباصات النقل العام، وتصوّر مع رجل مقعد بكل تواضع، وتحدث مع الناس على الطريق الصحراوي وفي معان، وكلها "حركات" إعلامية مبهرة، ذكية، لقيت إعجاباً شديداً من قبل الرأي العام.
إلاّ أنّ هنالك اتجاها من السياسيين والمثقفين ومعهم اتجاه كبير من المحبطين ينظر إلى هذه المناخات المتفائلة التي خلقها الرزاز بأنّها لا تزيد على حملة علاقات عامة PR، وهي أبعد ما تكون واقعياً عن كونها بداية لسياسات جديدة وتغيير للمسار، لأنّ ذلك يحتاج إلى جهود تتجاوز "الصورة الإعلامية" إلى عمل متكامل وشاقّ وتحديات صعبة وأسئلة كبيرة في مدى وجود خطّة حقيقية لدى الحكومة لترجمة الوعود والتوقعات والأفكار إلى واقع عملي.
على الطرف الآخر، ترى شريحة اجتماعية واسعة في وجهة النظر السابقة بأنّها متشائمة ومنحازة، فما قام به الرجل إلى الآن يمثّل تحولاً نوعياً مهماً ورئيساً في رأب الصدع والفجوة بين الحكومة والشارع، وتجسير العلاقة بين الطرفين، بعدما اعتكف رؤساء الوزراء وحكوماتهم السابقة في مكاتبهم وتموضعوا وسط تقارير مكتوبة فأصبحت هنالك جدران نفسية واسمنتية عريضة تحول بينهم وبين الناس.
فوق هذا نمت "نظرية" سخيفة داخل الدولة تهاجم فكرة "الشعبية" وكأنّها تهمة أو جريمة من المفترض أن يبتعد عنها رؤساء الوزراء والمسؤولون، ما عزّز الفجوة العميقة بين الحكومات والشارع، وخلق حفرة انهدام كبيرة وثقباً أسود في مصداقية الحكومات في الشارع الأردني.
بالنتيجة، وفقاً لوجهة النظر هذه، أنّ ما قام به الرئيس إلى الآن هو تغيير الصورة الإعلامية تماماً وخلق نموذج جديد يتمثل بـ"الحكومة الميدانية" التفاعلية مع الشارع والقطاعات المختلفة، وهو ما لاحظناه مع غيره من وزراء تحمسوا للحوار والذهاب إلى الميدان وإعادة هيكلة مفاهيم العلاقة مع الشارع.
حسناً، نحن -إذاً- أمام وجهتي نظر؛ الأولى ترى ما يحدث بوصفه إنجازاً مهماً وبداية موفقة وقلبا للمفاهيم التي سادت خلال فترة الأعوام الماضية، وردّ الاعتبار للصورة الحقيقية لموقع رئيس الوزراء، والثانية ترى أنّ كل ما حدث "تغميس خارج الصحن"، وحملة علاقات عامة، بينما الاشتباك الحقيقي والاختبارات الفعلية لم تبدأ بعد!
بين هاتين النظرتين؛ دعونا نضع الأمور في السياق الآتي: ما قام به الرزاز خلال الفترة الماضية هو أمر مهم وضروري -كما يرى الاتجاه الأول- لكن حان الوقت الآن لاختبارات وامتحانات حقيقية له وللحكومة، لنرى إن كان هنالك فعلاً تغيير في السياسات أم لا؟ هذا أولاً، وثانياً لا بد من تجاوز الصورة الفردية إلى العمل كفريق حكومي، وإلى وجود "مطبخين" رئيسين في الحكومة؛ الأول سياسي يرسم التصورات للمرحلة المقبلة، والثاني اقتصادي، بما يؤكد أننا أمام "نظرية عمل" جديدة، وليست حملة علاقات عامة كما يزعم فريق من السياسيين المعارضين للحكومة.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018