"جهاديو الأردن".. معلومات وأوهام

محمد أبو رمان

لأنّ أحداث السلط والفحيص ما تزال تلقي بظلال كبيرة على المزاج الاجتماعي ونقاشات المواطنين، وما نزال نحاول تفكيك وفهم ما حدث واستنباط الدروس التي تفيدنا في المستقبل، فمن المفيد أن أستعيد معكم بعض الملاحظات عن التحولات الخطيرة والنوعية التي مرّ بها ما يسمى بـ"التيار الجهادي الأردني" خلال الأعوام الماضية، وهي التي تناولناها في كتاب "سوسيولوجيا التطرف والإرهاب في الأردن" (ألفته بشراكة مع د. موسى شتيوي ومعنا الفريق الفني في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية).

كخلفية تاريخية، من الضروري الإشارة إلى أنّ "التيار السلفي الجهادي في الأردن"، في صيغته الأيديولوجية والحركية المعروفة، بدأ نشاطه مع منتصف التسعينيات، وكانت أفكار أبو محمد المقدسي (العائد من الكويت تمثل مظلته الفكرية ويعدّ الزعيم الروحي له)، وكانت قضية بيعة الإمام في منتصف التسعينيات هي النواة الأولى للتيار، وضمت المقدسي والزرقاوي وعبد الهادي دغلس وخالد العاروري، ومنذ تلك اللحظة إلى اليوم فإنّ أغلب قضايا الإرهاب (ما يصل إلى 95 %) في محكمة أمن الدولة مرتبطة بهذا التيار وأفكاره.

انقسم التيار مبكراً بين أتباع المقدسي والزرقاوي، ثم بين أنصار القاعدة والنصرة من جهة (وهم شيوخ التيار وقادته المعروفون) وأتباع داعش (من جهةٍ أخرى، وكان يتزعمهم عمر مهدي زيدان، الذي قُتل في غارة أميركية على الموصل العام الماضي)، لكن المهم في الموضوع أنّ هنالك طفرة كبيرة حدثت في قدرة التيار على التجنيد والتعبئة واكتساب أعداد جديدة من الشباب، مع ظهور داعش وتبنيه فكرة "الخلافة الإسلامية" و"المظلومية السنية"، فأصبح هنالك جيل جديد (تمّ تجنيده بسرعة فائقة) لا تعرفه قيادات الجيل القديم التي التقينا بها خلال إعداد الكتاب، وأغلب القادمين الجدد ينتمون إلى تيار داعش الأكثر تطرفاً من تيار الشيوخ التقليديين.

المفارقة المدهشة (التي وجدناها خلال خبرة البحث) أنّ التفكير التقليدي المبني على التجنيد في حلقات المساجد والقرآن الكريم، كما كانت عليه حال الإسلام السياسي سابقاً أو حتى التيارات السلفية التقليدية والجهادية، لم يعد قائماً بتلك الصورة، فأصبحت اليوم الأندية (كرة القدم، بناء الأجسام، القتال) هي الأقرب إلى الجيل الجديد من المساجد، بخاصة بعد الرقابة الشديدة على الأخيرة، وربما تتفاجأ بأنّ بروفايلات العديد منهم ليست وهم يصلون أو يقرؤون القرآن، بل وهم يحملون الأثقال! فقصة دور القرآن والمساجد هي أوهام ما يزال يتمسك بها مثقفون لا يدركون تماماً التحولات النوعية التي أصابت الجيل الجديد من تنظيم داعش.

ومن ذلك "خرافة الانترنت" بوصفها الأداة الكبرى للتجنيد، وهو تسطيح للمسألة، فالانترنت تلعب دوراً كبيراً في تقريب المسافات الجغرافية والزمنية وتسهيل التواصل بين الأفراد، وهو دور حيوي وأساسي بلا شك، لكن العلاقات الحقيقية والواقعية، المبنية على القرابة والصداقة والجوار هي العامل الأكثر أهمية وفاعلية في عملية التجنيد وغسيل الدماغ التي تحدث.

في أغلب الحالات التي درسناها (وقد درسنا مئات الحالات) كان هنالك إما قريب أو صديق أو زميل هو المؤثر الرئيس، سواء كان بصورة مباشرة، أو عبر الانترنت، ممن ذهبوا إلى هناك وأقنعوا الآخرين باللحاق بهم أو تبني الفكر نفسه.

التحول الأكثر خطورة هو الانتقال من الفردية الذكورية إلى العائلية، وهو أمر سبق وذكرناه، وكذلك ما أسميناه السلالات الجيلية، بمعنى أنّ هنالك أجيالا متواصلة من الجهاديين، والأهم الاستمرارية لمن يخرجون من السجون، فأغلبهم يبقى على تبنيه الفكر فإمّا يعود إليه أو يهاجر بحثاً عن أرض للقتال!

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018