بلدة طيبة ورب غفور

إبراهيم غرايبة

 

ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد رغم الألم الذي مررنا به في الأيام القلية الماضية أن التطرف العنيف أو الإرهاب ليس له فرصة في بلدنا، وأنه لا يملك حواضن اجتماعية أو شروطا تاريخية وموضوعية، وسيظل التطرف غالبا في الحدود السلمية، لا يتجاوز المعتقدات والأفكار والمشاعر، وبالطبع فإنه يظل خطيرا حتى في مجاله السلمي، وأظن أنه عندما تتاح المعلومات الكافية والشاملة عن حوادث العنف التي جرت في الأردن سوف نكتشف أبعادا جديدة ومختلفة للإرهاب لا تكفي لإثباتها المعلومات المتاحة اليوم.

لكننا نواجه تحديا كبيرا وخطيرا في التطرف المتفشي في الأفكار والثقافة السائدة وفي الخطاب الديني والاجتماعي والسياسي والمناهج التعليمية، كما أن اتساع حالات الفقر والظلم والفساد تنشئ بيئة مشجعة وحاضنة للتطرف والانقسام الاجتماعي، ويؤكد البنك الدولي أن جذور التطرف هي نقص الغذاء، ونقص الوظائف، وضعف أو قلة التعليم، ونقص الثقافة.

يقول المرحوم الدكتور محمد عابد الجابري: إن أي إصلاح لا يستهدف أولا وقبل كل شيء القضاء على الفقر والظلم اللذين يقفان وراء الهجرة والتطرف والإرهاب هو إصلاح زائف حتى لو نتج عنه تحسين مستوى الحريات العامة وحقوق الإنسان. ذلك أن أولى الحريات هي أن يتحرر الإنسان من الفقر الذي يستعبد فكره وإحساسه وإرادته ومن الظلم الذي يشوش على البصر والبصيرة ويجمد العقل ويطلق عقال اللاعقل.

إن تفسير التطرف والإرهاب برده إلى الفقر والظلم هو تفسير بيئي وليس نزوعيا. بمعنى أن بيئة الفقر والظلم تنشئ التطرف لكن ليس بالضرورة أن التطرف لا يجتذب إلا الفقراء والمظلومين. لكنها بيئة تدفع الناس على أغلب طبقاتهم وفئاتهم إلى التطرف.. وتظل أغلبية المتطرفين من الفقراء والمظلومين. ولا ينقض هذه المقولة الأمثلة الصحيحة عن المتطرفين الأغنياء.

وفي المقابل، فإن تفسير التطرف كنزعة فردية أو شخصية لا يصلح للتعميم ولا يكفي أكثر من دراسة الحالات المستقلة. والتي غالبا ما تكون تتعلق بأشخاص قياديين أو مؤثرين في الجماعات. صحيح أن التطرف منظومة من الاعتقادات والأفكار والمشاعر لكنها منظومة لا تتشكل في استجابة تلقائية أو حتمية للأفكار والنصوص.. إننا نختار المعتقدات التي تشبهنا.

نحتاج لأن نفكر بعقل بارد، وقد يكون ذلك صعبا في هذه اللحظات، لكنها أزمة ستمرّ بالتأكيد، ويجب ألا تشغلنا أو تنسينا قضيتنا الأساسية وهي الإصلاح ومواجهة الفقر والفساد، فمواجهة التطرف والإرهاب لا تؤجل ولا تمنع أيضا مواجهة الظلم الاجتماعي والاقتصادي، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإننا نفقد في كل عام حوالي ثمانمائة مواطن سنويا وأضعافهم من المصابين بسبب حوادث المرور، وفي المحصلة فإننا نخسر حياة مواطنين هم جزء منا ولهم حياتهم وأسرهم وآمالهم، ولا تختلف خسارتهم وفقدانهم في ألمها ونتائجها عن خسارتهم في عمليات إرهابية، كما أن حوادث المرور في أغلبها إن لم تكن جميعها جاءت محصلة لمنظومة اجتماعية وثقافية وفشل إداري وتنموي في تنظيم وتطوير النقل والطرق والمرافق، وكثير من أنماط قيادة السيارات تعكس عنفا اجتماعيا وثقافيا.

إن مواجهة التطرف والإرهاب ليست عمليات مباشرة إلا في السياق الأمني، وعدا عن ذلك فإنها محصلة سياسات اقتصادية واجتماعية وتنظيمية تؤدي إلى الحريات والازدهار، .. ليس ممكنا المواجهة بغير الحريات والازدهار.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018