نقب الدبور أين الخلل؟

سائد كراجة

ما الذي تملكه داعش ولا نملكه؟ ما الذي قدمته داعش لشاب متعلم ومتزوج ولديه أولاد؟ وما الذي أخفقنا نحن في تقديمه؟ من أين أنفق على شراء هذا الكم من المتفجرات، ومن موّله وصرف عليه وعلى أولاده طوال فترة التحضير والإعداد لأعماله الإرهابية؟ ما هو جذر المشكلة؟ أسئلة تطرحها علينا دماء الشهداء، تطرحها علينا حرقة قلوب أمهاتهم التي لا يشفيها غير رجعتهم المستحيلة.

داعش عند البعض ظاهرةٌ سببها الدين، والدين الإسلامي تحديداً، وهم يقولون في الخفاء وأحياناً في العلن إن الدين نفسه بقرآنه وحديثه وفقهه هو المؤسس لفكر داعش، وإن داعش ما هي إلا تطبيقٌ عصري لإرهاب كامن في الدين نفسه، والحقيقة أن الواقع ينقض هذا الرأي، فأغلب المسلمين ليسوا من داعش، ثم إن أغلب ضحايا داعش من المسلمين أنفسهم، وأكثر من ذلك فإن جميع الديانات تم استغلالها في حروب "لاهوتية" بينية؛ حروبٌ بين معتنقي الدين نفسه، وحروب أخرى بين معتنقي الديانات المختلفة، ولهذا فإن هذا القول يصبح موقفاً أيديولوجياً أكثر مما هو تحليل علمي وواقعي.

البعض الآخر يقول إن المشكلة ليست في الدين نفسه وإنما هي في فهم الفقهاء لهذا الدين فهماً سياسياً شوهه وأخذ الدين على غير مقاصده، ويؤشرون في رأيهم هذا على ابن تيمية والوهابية والإخوان المسلمين وغيرهم. ولكن داعش تكفر كل هؤلاء، كما أن أغلب المنضمين المعاصرين لهذه المجموعات تعلن براءتها من داعش كفكر وسلوك، وداعش وإن تأثرت بتراث هذه المجموعات، إلا أنها خلقت فقهها الخاص ومرجعياتها الفكرية والعقائدية الذاتية.

فريق آخر يبتعد عن الدين ويدعي أن الفقر والعوز وانهيار المنظومة التعليمية والأخلاقية هو الذي يدفع الناس لداعش، ثم تأتي الدراسات العملية بإحصائيات تفيد أن أغلب منتسبي داعش من الطبقة الوسطى وهم في أغلبهم متعلمون وقد زاد في أزمة هذا الرأي انضمام متنعمين ومتنعمات من مواطني أوروبا لداعش.

فريقٌ جديد بدأ يتحدث عن النواحي النفسية الفردية للملتحقين بداعش، على أساس من القول؛ إن شعور الفرد بالإقصاء والتهميش وانسداد الأفق هو وراء انضمام هؤلاء الشباب لهذا الفكر. وأخيراً فإن الأغلب يقول إن جميع الأسباب أعلاه مجتمعة هي جذر المشكلة، ويذكر هنا أن إحصائية نشرت في الأردن مؤخراً أفادت أن حوالي 300 ألف شخص تقريباً يعتقدون أن داعش تمثلهم!!!

أول الحل في تصوري اعتراف الجميع بأننا فشلنا في فهم ودراسة تلك الظاهرة، كما أننا غرقنا في بحر تفسيرها وليس البحث عن حل لمواجهتها، نعم فشلنا جميعاً؛ دولة وحكومات ومجتمعا مدنيا ومجتمعا دوليا، كما أن البعض قد تاجر في التعاطي مع هذه الظاهرة وقبض ثمن الذهول المقصود وغير المقصود عن حلها الذي أدى لاستمرار داعش تنظيماً أو فكراً وانتشاره في المجتمع.

نرفع القبعات احتراماً لجهود الأجهزة الأمنية وننحني أمام تضحيات أبنائها ولكنه لم يعد معقولاً أن نُحَمّلَ الأجهزة الأمنية وحدها مهمة مقاومة هذه الظاهرة وذلك الإرهاب. على الدولة أن تعد استراتيجية متكاملة أساسها نقض مشروع داعش الذي يقوم على الإقصاء والتكفير ومحاصرة حرية المواطنين وتنوعهم، وأول ذلك وآخره خلق فرص عمل وتكافؤ فرص اقتصادية واجتماعية وتعليمية للجميع.

أعتقد أننا فشلنا في فهم داعش لأننا بشكل أو بآخر جزء منها، فشلنا في اجتثاث الفكر والسلوك الإقصائي في ذواتنا ومجتمعنا، انظروا في بيوتكم وسلوككم وحياتكم الخاصة، لاحظوا الفكر والسلوك الإقصائي فيكم والفوضى والأنانية الشخصية والكفر بالقانون وسيادة القانون، فهذه هي البيئة الحاضنة لفكر داعش وانتشاره.

الانتصار على داعش يحتاج لمراجعة شخصية ومجتمعية، والأهم من ذلك مراجعة الدولة لنفسها ولتشريعاتها ومواقفها، فعليها اليوم الإعلان بوضوح أنها تريد الانتقال للدولة المعاصرة الديمقراطية دولة سيادة القانون والقانون وحده، التي لا منبر فيها سوى منبر القانون واحترام حقوق الإنسان وتنوعه.

انتشرت داعش ليس لأنها تمتلك الحقيقة أو الحق، أو تملك مشروعاً حضارياً، انتشرت داعش ببساطة لأننا لا نملك مشروعاً متكاملاً لمواجهة هذه الظاهرة، إن قوة داعش تكمن في ضعفنا وغياب مشروعنا الحضاري المتكامل، ولهذا فإننا وإن قتلنا دبوراً فإن دبابير أكثر موجودة في جيوبنا، فاهم علي جنابك؟

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018