الإعلام الشبكي: من التلقي إلى المشاركة

إبراهيم غرايبة

تغير شبكات التواصل الاجتماعي في تداول المعلومات وإنتاجها، وتعيد تشكيل الإعلام ومؤسساته على نحو مختلف جذريا عما استقرت عليه وسائل الإعلام قرونا وعقودا طويلة، وكما غيرت المطبعة ثم البث الإذاعي والتلفزيوني في تداول الأخبار والمعلومات فإن الشبكة اليوم تنشئ حالة جديدة وقواعد مختلفة للتأثير والمشاركة في الفضاء العام. ويشكو جميع الفاعلين والمشاركين الاجتماعيين والسياسيين على مختلف مواقعهم من الإشاعات والفوضى المعلوماتية، .. ولا يكاد يكون أحد اليوم غير معني بالتنظيم القانوني والاجتماعي والأخلاقي للمشاركة الشبكية، .. لكن ما لدينا من أفكار وتجارب تنتمي إلى حالة تنحسر وربما تختفي نهائيا. فالشبكة تحلّ في حياتنا وتتغلغل فيها، وربما تعيد تشكيل خرائطنا الجينية وهوية الـ "دي ان ايه"، إننا نتحول إلى كائنات شبكية جديدة، وسوف يكون مواليد عقد التسعينيات وما بعد والذين تفتح وعيهم في الحياة محاطين بهذه الشبكة، ويستخدمونها على نحو عفوي يخلو من المقارنة والانتقالية؛ مختلفين في أفكارهم وتصوراتهم وقيمهم وعلاقاتهم بالتداول الإعلامي عن الجيل السابق اختلافا كبيرا، فهم على سبيل المثال لا يكادون يعرفون الصحف والإذاعات ومحطات التلفزيون، ويستمدون المعلومات والمعرفة ويشاركون في إنتاجها وتداولها بلا ذاكرة أو تجربة يعرفها الجيل السابق.
ينتهي (سوف ينتهي) بطبيعة الحال التنظيم المعرفي الذي كانت تؤديه وسائل الإعلام، ولم يعد ممكنا استمرار العمل بالقاعدة الهرمية الراسخة على مدى القرون في تحديد ما يعرفه الناس وما لا يعرفونه، وفي توزيع المعرفة وتداولها، وتوقف أيضا من قبل تنظيم إيقاع الحياة نفسها بوسائل الإعلام، ففي ذلك التوحيد الذي كان يتلقاه جميع الناس تقريبا من وسائل الإعلام كانت تتشكل مواقف الناس واتجاهاتهم بل وأسلوب حياتهم، المواطنون الذين كانوا جميعا يستمعون إلى المحتوى نفسه كانوا يتشكلون أيضا وفق هذا المحتوى، .. كنا نستيقظ وننظم حياتنا ومواعيدنا حسب برامج الإذاعة والتلفزيون، ونتداول جميعا المحتوى نفسه في المجالس والمدارس والمؤسسات، ماذا يفعل المواطنون اليوم وكل واحد منهم ينشئ عبر موبايله عالمه الخاص به وحده من المصادر والمعرفة والمشاركة فيها؟ كيف تتعامل المؤسسات التوجيهية والإرشادية والقانونية والسياسية والتعليمية والأسواق والأسر مع ملايين المؤسسات الإعلامية التي تعمل مستقلة عن كل ما عداها وما حولها؟
المشهد ليس مخيفا ولا عصيا على الترشيد والتنظيم، لكنه يحتاج إلى فلسفة وقواعد مختلفة في الإدارة والتفكير، وأظن أن العمل يبدأ بالأخذ بالاعتبار المساواة المطلقة التي تتكون اليوم بين جميع الفاعلين والمشاركين في الشبكة، فأن يكون لديك موبايل متصل بالإنترنت يعني ببداهة أنك تملك الفرصة لتداول وتلقي وإنتاج المعلومات والمعرفة بلا حدود وعلى قدم المساواة مع المؤسسات والشخصيات الكبيرة والمهمة، أنت تملك الفرصة في التواصل مع العالم وتؤثر فيه وتبيع وتشتري وتقول وتستمع بمستوى من المساواة والكفاءة لا يقل عن الفرصة التي تمتلكها الشخصيات والمؤسسات الكبرى والعملاقة، وتنشئ مؤسستك الإعلامية والاقتصادية والعالمية التي تخاطب العالم بالقدر الذي تخاطبه أكبر المؤسسات، وتملك الفرصة للمشاركة والاختيار بلا حدود، وأظن أنه لا يمكن التفكير في ترشيد الشبكة إلا وفق هذه القاعدة والقبول بها، لم يعد ممكنا تحدي هذه القاعدة، ولا يتصور أن ثمة مجالا لحرمان أحد من الشبكة أو منعه من المشاركة فيها، .. ولا نملك ما نقدمه سوى الثقة والإتقان وليس لدينا سوى ذلك لبناء وصيانة الفضاء العام!

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018