الثقة في مواجهة الإشاعة

إبراهيم غرايبة

ليس لدينا (الحكومة والمجتمعات والأفراد والأسواق) لمواجهة الإشاعة سوى الثقة، ففي هذا الفضاء الشبكي المفتوح بلا حدود للمشاركة والتلقي لا تملك المؤسسات الرسمية والمجتمعية والخاصة سوى أن تنشئ حالة من الثقة بينها وبين الجمهور، وعلى قدر هذه الثقة يمكن أن ننشئ فضاء عاما يشارك فيه الجميع بلا استثناء ولا قيود سوى القانون. هكذا فإن السؤال العملي والحقيقي هو كيف نبني الثقة؟

ليس المطلوب بالطبع تجاهل الانتهاكات والإساءات إن كان ممكنا أن يطالها القانون، وعلى أي حال، فإن قوانين مواجهة الإساءة إلى المواطنين والقيم والدين والرموز الدينية موجودة ويفترض أنها تطبق منذ زمن طويل، ولم تنشأ هذه القوانين ابتداء حول شبكات التواصل الاجتماعي.

في هذا الفضاء العام الذي يشكل فيه كل مواطن مركزا مساويا لأي مواطن آخر أو مؤسسة عامة أو خاصة يصبح الجميع على قدم المساواة في الحرية والمسؤولية، وفي ذلك فإن رسالة المؤسسات العامة والاجتماعية أن تنهض بأداء وقدرات جميع المواطنين ليكونوا جميعا قادرين على المشاركة في الفضاء العام بالكفاءة والمعرفة والمسؤولية التي يعمل بها الإعلاميون والصحفيون المحترفون؛ حتى يتجنب جميع الفاعلين في الشبكة الوقوع في أخطاء قانونية تعرضهم للملاحقة وليمتلكوا أيضا المهارات والمعرفة التي تمكنهم من التمييز والنقد تجاه ما يبث في الشبكة، ثم ليستطيعوا المشاركة الإيجابية في خدمة رؤية ورسالة الفضاء الوطني العام بما هو جدل حرّ متاح للجميع بلا استثناء، ويستمع فيه الجميع إلى الجميع.

إن بناء الثقة بين المؤسسات والنخب السياسية والاجتماعية من جهة وبين المجتمعات والأفراد والطبقات والجماعات المختلفة لم يعد يعتمد على أسلوب الـ"show" ولا الإبهار ولا الحركات الإعلامية منتهية الصلاحية أو التي تنتمي إلى إعلام ما قبل الشبكة، كما يدمرها العقل الباطن المستمد من العجرفة والوصاية، .. لكن يجب أن تمتلك النخبة بمن هم القادة السياسيون والاجتماعيون والاقتصاديون لياقة روحية واجتماعية عالية والشعور الحقيقي بالمساواة مع جميع المواطنين والتفاعل الحقيقي أيضا مع المواطنين جميعهم بافتراض المساواة والندية في الكفاءة والمعرفة.

لم تعد تفيد شيئا تلك البرامج ذات المحتوى الإعلامي والإعلاني أيضا، فلا يقنع المواطن تلك الجداول الجميلة المعدة في بور بوينت أو انفوغرافيك من دون محتوى حقيقي أو إذا كانت قائمة على حجب الحقائق والمعلومات والتلاعب بها! كما لم تعد مفيدة في شيء زيارة مطعم شعبي أو كشك للكتب أو ركوب حافلة عامة، .. بل إنها تثير السخرية!

يجب أن يقدم كل مسؤول في موقعه العام أو الاجتماعي أو الاقتصادي الحقائق والأفكار الواقعية والمستمدة من الأهداف العملية والواضحة ويربطها بوضوح وصراحة مع الفكرة الأساسية والحاكمة لعمل المؤسسات "إدارة وتنظيم الموارد بكفاءة وعدالة" وأن يتحدث في الفضاء العام بالروح والأداء نفسهما اللذين يخاطب بهما المسؤولين والمتخصصين! تنهار الثقة عندما يستولي على المسؤول شعور بأن المواطنين أقل مستوى معرفي منه، وأنه يمكنه أن يخفي المعرفة عنهم أو أن يبهرهم بأداء التسويق والعلاقات العامة، وبالمناسبة فإن الأداء الإعلاني والتسويقي في الفضاء العام يسيء إلى المنتجات والسلع التي يسوقها أكثر مما يفيدها.

والمؤسسات الإعلامية تحتاج لأن تدرك أن الأفكار والإنجازات الهزيلة سوف تظل هزيلة حتى لو وضعت في انفوغرافيك أو قدمت في بور بوينت. والمحتوى الهزيل يظل هزيلا حتى لو قدم بأجمل التقنيات وأدوات البث والنشر، .. ولا علاقة بين الجمال والوسامة والمحتوى.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018