عزف منفرد على الفيصلية

سائد كراجة

إن سألتني هل نبدأ بالإصلاح السياسي أم الاقتصادي، لأجبت: نبدأ بالإصلاح التعليمي. مستقبل الوطن الأمني والسياسي والاقتصادي متعلق بالتعليم المدرسي والجامعي، ونحن جميعاً على اتفاق أن التعليم وقع به زلزال دمره شكلاً وموضوعاً، ليس مهماً من أحدث الزلزال، المهم الآن التعامل مع ملف التعليم باعتباره مدمرا ولا أبالغ إن وصفته بالجريمة المستمرة التي تبدأ من رياض الأطفال ولا تنتهي مع الشهادة الجامعية الأولى.

الزلزال الذي أطاح بالتعليم يقتضي توجيه موارد الدولة لمعالجة هذا الملف، ومعلوم أن الدمار أحياناً مقدمة مناسبة لإعادة البناء، ولهذا فإن إصلاح التعليم يتضمن وضع رؤية جديدة للتعليم، أساسها أن نحدد وطنياً أي تعليم نريد ومن ثم أن نوجه الموارد والخطط لتحقيق هذا التعليم، الذي يجب أن يتناسب مع القيم الوطنية والإنسانية من جهة ومع احتياجات السوق اقتصادياً من جهة ثانية.

في هذا السياق، فإن ما حدث في الفيصلية ليس انقلاباً ولا ظاهرة عامة، والحادث ليس بدعة في عالم الطلاب، نستطيع تبادل ذكريات عن حوادث مشابهة في مدارسنا، وللموضوعية نقول: أمام انتظام مليوني طالب ومائة وستة وعشرين ألف معلم في مدارس المملكة، يمكن تصنيف الحادث على أنه فردي مؤسف، فقد أشعله عدد قليل من الطلاب، ومن جانب آخر، فقد شهدت المملكة مع بدء العام الدراسي حالات احتجاج ولكنها كانت حضارية، ففي محافظة المفرق مثلاً امتنع الأهل عن إرسال أبنائهم للمدارس بسبب الاكتظاظ ولم يتخلل ذلك أي أعمال عنف أو تخريب.

لكن الأمر أعمق من ذلك، فالحوادث مؤشر على انتشار ظاهرة التنمر في مدارسنا والأهم انتشار نمط التنمر على الآخر وعلى القانون في شخصيتنا، ولنسارع بالقول إن هذا ليس حكراً على منطقة دون أخرى ولا على المدارس الحكومية دون الخاصة، فقد انتشر فيديو عن طلاب مدرسة خاصة عاثوا فساداً وتخريباً فيها وألحقوا بها خراباً عميماً كأنهم جنود هولاكو.

الشاهد هنا أن التعليم الأردني هو تعليم معلوماتي في أغلبه؛ التعليم الحكومي منشغل بتحفيظ المعلومات والتعليم الخاص منشغل بمناهج أجنبية، ولكن كلا النظامين فارغ من التوجيه والتربية، وأكثر من ذلك فليس هناك برنامج تقويمي لسلوك التنمر أو لأي سلوك سلبي لدى الطلاب، وقبل ذلك ليس هنالك توجيه وتربية مدنية تعلم مبادئ الدستور وممارسات المواطنة والديمقراطية بما في ذلك طرق الاحتجاج السلمي. الأهم من ذلك ندرة النماذج المدنية على أرض الواقع في البيت والشارع والمدرسة، تلك النماذج التي تمارس سيادة القانون على نفسها وعلى الآخر وتطبق ممارسات ديمقراطية، كل هذا مفقود، بل إن الذي شاع هو فكر ما قبل الدولة؛ حيث يؤخذ الحق بالقوة وبالتنمر على الناس والقانون، وبالحديث عن الدولة فلا تتوقع من المواطن أو الطالب أن يتبع القانون إن كانت مؤسسات الدولة لا تلتزم به، وتختلق المبررات للالتفاف عليه، فالدولة ومؤسساتها في هذا المجال هي المثال الأهم في الخضوع لسيادة القانون والقبول بالسياسة المدنية. ليس من الموضوعية التعميم، ولكن الذي طرد رئيس الجامعة وأخذ الأمر بيده بدل أن يلجأ للقانون كان بشكل ما طالباً في مدرسة لم تقوّم سلوكه ولم تقدم له فهماً واضحاً عن سيادة القانون، ولهذا فإنه لم يعد يرى له مصلحةً في سيادة القانون وهذا أخطر مظاهر الخراب العام.

نعرف عن وجود خطط حكومية استراتيجية ومرحلية لتطوير وإصلاح التعليم، ولكن اعلموا أنكم لا تملكون ترف الوقت، فالأمر يحتاج إلى تصرف سريع وثورة بيضاء في التعليم بما يشمل توجيه جل موارد الدولة لهذا الملف، اليوم يوجد على رأس وزارة التربية والتعليم وزيرٌ تربوي من طراز رفيع وملف التعليم كله يحظى أيضاً باهتمام رئيس الوزراء وقبلهما بعناية مباشرة وخاصة من جلالة الملك وجلالة الملكة فماذا ننتظر؟! على صعيد آخر، فإن القطاع الخاص مطالبٌ بمساهمة نوعية في هذا الملف، ونقول لهذا القطاع: لن تفيدكم خزنات البنوك الحديدية إن وقعت الواقعة -لا سمح الله- أخرجوا بعض أموالكم ليس منة على الوطن بل استثماراً في مستقبله ومستقبلكم وأعينوا الدولة فإنه إن عم الخراب، لا سمح الله، فأنتم من سيدفع أغلى الأثمان، فاهم علي جنابك!

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018