حقوق الحيوان في التشريع الإسلامي

د. أحمد ياسين القرالة

الاهتمام بالحيوان وحقوقه ليس منتجا من منتجات الحضارة الغربية، كما يظن البعض، ولا منجزا من منجزاتها الخاصة كما يتم تسويقه، بل لقد كان للحضارة الإسلامية دور بارز ومكانة مرموقة في حماية الحيوان والمحافظة على حقوقه.
ومما يدل على أهمية الحيوان وضرورته للحياة الإنسانية والبيئية، أن العديد من الآيات تناولت الكثير من أنواع الحيوان، وذكرت أسماءها ودعت الإنسان إلى الاستفادة منها وحسن التعامل معها، حتى وصل الأمر إلى أن سميت سورٌ من القرآن الكريم بأسماء الحيوان والحشرات كالبقرة والفيل والنحل والنمل وغيرها.
وقد دعت العديد من الآيات إلى المحافظة على الحيوان باعتباره مكوناً أساسياً من مكونات البيئة المادية لهذا الوجود، ومن ذلك قوله تعالى: "وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ"، فالآية الكريمة تنعى على أولئك الذين يعملون الفساد في الأرض بإتلاف الزرع، وإهلاك الحيوان وإفنائه دونما مقصد شرعي.
كما فصلت السنة في الكثير من أحكام الحيوان وبينت حقوقه والضمانات التي تحمي تلك الحقوق، ومن ذلك قوله: (عُذِّبت امرأةٌ في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض).
فالحديث يدل على تحريم حبس الهرة وما يشابهها من الدواب وتركها من دون طعام أو شراب؛ لأن ذلك من التعذيب المنهي عنه شرعاً، ويدل على أن للحيوان حقاً في الحياة، يحرم قتله أو تعذيبه لغير مقصد شرعي؛ لأن الله تعالى عذب المرأة على ذلك الفعل، ولولا أنها فعلت حراماً لما استحقت العذاب.
وقوله (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر فملأ خُفَّه ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر).
فقد دل الحديث على حق الحيوان في الحياة، وعلى حقه في رفع الألم والمعاناة عنه، بدليل المغفرة لذلك الرجل لسقايته الكلب، وهذا يدل على أن ما قام به هو طاعة لله، كما أن الحديث اعتبر الإحسان إلى كل ما فيه روحٌ فعلاً مثاباً عليه، وفي هذا حض على رعاية الحيوان والإحسان إليه.
ونظراً لأهمية الحيوان في الحياة الإنسانية، اهتم علماء المسلمين به فألفوا الكتب المتخصصة في الحديث عن الحيوان وطباعه وصفاته، ومن ذلك كتاب "حياة الحيوان" للدميري، وكتاب "الحيوان" للجاحظ، كما ألفوا كتباً متخصصة ببعض الحيوانات كالخيل والإبل وغيرها.
وقد استقرأ المعاصرون حقوق الحيوان التي ذكرها الفقهاء السابقون استخلاصاً من النصوص، فكانت أربعة حقوق هي: الحق في الحياة، والحق في الغذاء، والحق في منع الألم، وحقه في المحافظة على نوعه ومنع انقراضه وفنائه.
وقد أفرد الفقهاء باباً خاصاً من كتبهم الفقهية يتحدث عن نفقة الحيوان وكيفية أدائها، وكيفية التصرف في الحيوان حال العجز عن نفقته.
ولكن الإسلام، وهو يتعامل مع الحيوان ويثبت له الحقوق ويقدم الضمانات لتلك الحقوق، لا يغيب عن باله أبداً أن مصلحة الإنسان مقدمة على مصلحة الحيوان، وأنه لا يجوز أن يكون الاهتمام بالحيوان على حساب الإنسان، ولا أن ينعم الحيوان بالرفاهية بينما يشقى الإنسان؛ كما لا يجوز بحال إيثار الحيوان وتقديمه على الإنسان؛ لأن الله تعالى يقول: "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً"، فكل ما في هذا الوجود مخلوق للإنسان ولمنفعة الإنسان، فالإنسان أولاً.
كما أنه يرى أن الموطن الطبيعي والحاضنة الصحيحة لهذه الحيوانات هي البيئة الطبيعية التي خلقت فيها؛ أو المحميات التي خصصت لها؛ لأن ذلك يجعل الحيوان يتناغم مع فطرته ويتسق مع غريزته، لذلك فليس من المحبذ حشر الحيوانات في البيوت والأقفاص وغيرها؛ لأن ذلك يقيد حريتها ويخرجها على طبيعتها، وفيه نوع من التعذيب لها.
حقوق الحيوان في الإسلام ليست مجرد مبادئ مثالية، وتشريعات نظرية، بل هي حقوق ثابتة ومستقرة، ليست موكولةً لأهواء الناس ورغباتهم؛ حيث قام التشريع الإسلامي برعايتها بضمانات كثيرة ومتعددة ودافع عنها بوسائل مختلفة تمنع التعدي عليها أو الإخلال بها، من المتعذر علينا تناولها واستعراضها في هذه المقالة.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018