تلبيس الدين

د. هاشم غرايبة

مفهوم تلبيس الدين قديم قدم الدين ذاته، ويعني إعطاء الشرعية لمعتقدات وأفكار ليست من صلب الدين، بدسّها بين التشريعات الإلهية، لإضفاء القدسية عليها، وتحويلها الى أمور مسلم بها.
بطبيعة الأحوال، فالنفوس البشرية ليست متماثلة في فهمها للدين، فالسمة الغالبة هي الشخص المنفتح العقل القابل للتطور، لكن في المقابل هنالك قلة يمثلها المتعصب لفكرة مقتنع بها، فهو منغلق العقل من دون فكرة بديلة، وهنالك صنف ثانٍ مؤمن ومتمسك بالإسلام، لكنه عاش ظروفا خاصة كوّنت لديه عقدا نفسية، حكمت تقييمه ورؤيته، فهذا غير سويّ بالمعيار العام فلا يؤخذ بأحكامه لأنها محكومة بتلك العقدة، والنوع الثالث هو مسلم لكن تدينه سطحي، فيتمسك بمظاهر الدين، يحكمه جهل المغتر بما ناله من علم قليل فقنع به واعتبره نهاية العلم، لذا فهو يجادل بما لم ينله "بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ".
كل صنف من الأصناف الثلاثة يحاول تلبيس الدين بمعتقداته، معتقدا أنه بذلك يصبغه بصبغته، ويجره الى صفه.
الصنف الأول: منهم من دخل الإسلام ولما يدخل الإيمان قلبه، فهو مسلم بحكم سجلات الأحوال المدنية، وإما أنه غير مؤمن بالإسلام ويفرض عليه الواقع التعايش مع مسلمين لا يحب تعلقهم بدينهم.
كلاهما يميل الى تلبيس الدين بما يسيء إليه، ويغمض عينيه عما يراه أو يسمعه من ممارسات إيجابية لمسلمين، لكنه يطرب لأخبار التخلف والتطرف، ويتحمس لنشرها وتعميمها على أوسع نطاق، ويبحث عن أدلة تثبت أن هذا هو جوهر الدين ومبتغاه، وبالطبع فلا يجد تلك الأدلة في الكتاب والسنة الصحيحة، فيبحث عن الروايات والأخبار غير الموثوقة، التي تفبركها الأجهزة الاستخبارية، بهدف البطش بحماة الدين.
الصنف الثاني: يبحث عما يوافق هواه الذي يزينه له مرضه النفسي، ويجعله جوهر الدين ومبتغاه، فإن كانت عقدته مع النساء مثلا، يبحث عن الروايات التي تقلل من شأن المرأة وتبخس من قدرها وإنسانيتها، مثل رواية أن المرأة ناقصة عقلا ودينا، أو أنها كلها عورة.
وإن كانت لديه عقدة نقص بسبب من تفوق الآخرين عليه علما أو ذكاء، فتلبيسه يتركز في الحط من شأن هؤلاء، فيصور فهمهم وعلمهم الذي لم يدركه كأنه خروج على الدين، ويتمترس خلف أقوال الأقدمين على أنها هي الدين وما خالفها مروق، مدعيا أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان، وأن السلف غطوا كل شيء ولم يدعوا مجالاً لمجتهد، لذلك فكل اجتهد بعد اجتهادهم فهو مبتدع أفّاك.
الصنف الثالث: هو من قعد به عقله عن فهم مناطات الدين وغاياته، واعتقد أنه مجرد طقوس تعبدية، لذا انكب على المظاهر التي تشير الى التدين، واعتقد أنه بمحاكاة السلف الصالح في كل شيء حتى في تفصيلات الممارسة المعيشية يضمن الصلاح والتقوى، ولم يدرك أن وسائل العيش متبدلة ومفاهيم الحياة متطورة، ولا يبقى على حاله غير الجماد.
وبسبب من ضحالة تفكيره، لا يتجاوز المظاهر الى التعمق في تتبع أثر ذلك السلف الصالح فكريا، فيتمثل أسلوبهم في البحث والتمحيص بأسلوب علمي حتى توصلوا الى ما تركوه لمن بعدهم، بل توهم أن كل ذلك مجرد نقل عن الأجيال الثلاثة الأولى، واستنساخ لمعارفهم.
نستخلص من استعراض أثر الأصناف الثلاثة الآنفة في الموروث الفقهي الجمعي الذي هو بين أيدينا الآن، كم ألبس الدين بما ليس منه، وكم هي صعبة مهمة التحقق والتدقيق لفرز كل ما ألصق به والتبس على الكثيرين التمييز بين الجوهر والتلبيس.
رغم ذلك، فالمهمة ليست مستحيلة، لكنها تحتاج لعلماء ثقات، والمنهاج بيّنٌ واضح، أصل التشريع مدون في القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل بالمطلق، وبما أن السنة كانت تفسيرا تفصيليا وتطبيقيا للقرآن الكريم، فكل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم زمن التنزيل صحيح، إلا ما نسب إليه وكان متعارضا مع القرآن أو لم يكن له أصل فيه أو إشارة إليه.                         

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018