كتاب الجماعة الحائرة لمحمد البطاينة

إبراهيم غرايبة

في تتبعه لمسار جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، يؤشر محمد البطاينة بجرأة وذكاء على مجموعة من الحالات والظواهر، فقد نشأت الجماعة في الأردن برعاية ملكية من الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين، وظلت علاقة الجماعة بالنظام السياسي الأردني يغلب عليها الولاء والتعاون، لكنها أيضا علاقات تغيرت في محتواها وطبيعتها كما تغيرت الجماعة نفسها. ففي وحدة الضفتين العام 1950 توحدت الجماعة أيضا، وكان واضحا الاختلاف التكويني والتنظيمي، وكان هناك اختلاف أيضا بين الجماعة الأردنية والجماعة الأم المصرية، وخرجت مجموعة من الأعضاء من الجماعة لتؤسس حزب التحرير الإسلامي بقيادة تقي الدين النبهاني، ثم خرجت مجموعة كبيرة للمشاركة في تأسيس حركة فتح في أواخر الخمسينيات، ثم استعادت الجماعة المبادرة بعد العام 1967 لتعيد تنظيم نفسها وتطور مشاركتها السياسية والعامة مستفيدة من التحولات الفكرية والسياسية؛ حيث بدأت التيارات القومية واليسارية بالانحسار وصعدت الاتجاهات والتيارات الدينية، لكنه تطور غير في بنية الجماعة وأفكارها على نحو جوهري.

يقول المؤلف: تحول الوسط الفلسطيني المشكل للقاعدة الاجتماعية للأحزاب اليسارية والقومية في الستينيات إلى الاتجاه الإسلامي، لكن الجماعة التي حظيت بتأييد اجتماعي فلسطيني واسع تحولت هي في النهاية إلى جماعة فلسطينوية، ولم تكن "الإسلامية" سوى غطاء رقيق وهش للتهرب من استحقاق الاندماج بالهوية السياسية للدولة الأردنية التي يتمتعون بمواطنتها.

وفي استئناف الديمقراطية العام 1989، وفي سياق تغيرات عالمية واسعة وعميقة، تغيرت الجماعة أيضا؛ إذ تحولت إلى حركة سياسية بمحتوى ديني احتجاجي مفاصل وبتشكيلة اجتماعية دعوية تأثيرية، هكذا فقد صعدت إلى قيادة الجماعة وحزب جبهة العمل الإسلامي الذي أسس في العام 1990 قيادات سياسية وتنظيمية إصلاحية ومعتدلة كانت تتعرض للإقصاء والتهميش في السبعينيات والثمانينيات، لكن القاعدة الاجتماعية والتنظيمية الغالبة للجماعة كانت تنحاز الى مفاصلة اجتماعية ذات غطاء ديني، وظلت القيادة السابقة للجماعة تحتفظ بالهيمنة على جمعية المركز الإسلامي ومؤسساتها، وشهدت الجماعة حالة من الانقسام والاستقطاب العمودية التي تحولت إلى عداء سياسي واجتماعي، لدرجة أن نواب الإخوان المسلمين من التيار المسمى "صقور" لم ينتخبوا عبد اللطيف عربيات لرئاسة مجلس النواب!! وتطور هذا الانقسام واتخذ اتجاها معقدا بدخول حركة حماس في المعادلة الإخوانية، ثم صعد في الجماعة بعد إبعاد قادة الحركة من عمان العام 1999 تيار حماسوي وألحق الجماعة بحركة حماس! وجاء الربيع العربي في العام 2011 ليعصف بالجماعة وما تبقى منها، لقد كانت رحلة للجماعة تشبه رحلة قافلة من الإبل التي أنهكها التيه والعطش وحين وجدت الماء فجأة غرقت فيه!

كانت الجماعة تبدو عشية الانتخابات التنظيمية في العام 2012 أربع جماعات، فقد تطورت التيارات والاتجاهات على نحو لم يعد يحتمل فرصة للتعاون أو العمل المشترك في ظل جماعة واحدة، وهذه المجموعات (والتسمية للمؤلف) هي: الانعزاليون الذين سموا في الصحافة "صقور"، وهم مجموعة معادية عداء إيديولوجيا للنظام والدولة والوطنية والهوية الأردنية، وتدعو إلى المفاصلة مع الدولة وكل من ليس معها، لكنها في الوقت نفسه تعمل في الوسط الفلسطيني على أساس اجتماعي وسياسي وتظهر تأييدا وتعاطفا كبيرا مع حركة حماس. و"الحمائم"، وهم تيار يقوده مجموعة من الشخصيات المخضرمة شغل معظمها مواقع متقدمة في السلطة والبرلمان، والتيار الوطني الإصلاحي، والتيار الفئوي (المكتب السياسي لحماس) والمسمى إعلاميا التيار الرابع وهم مجموعة تتبع حركة حماس في الخارج.

ويختم المؤلف بخلاصة مفادها أن أزمة الإخوان المسلمين هي أزمة الهوية السياسية للدولة الأردنية والمجتمع الأردني، فهناك رفض للهوية السياسية للدولة مصحوبة برغبة بالتمتع بحقوق الجنسية واستكمال حقوق المواطنة من دون تقديم الواجبات، هكذا فقد تحولت الجماعة أو ما بقي منها مظلة سياسية واجتماعية للرافضين الاندماج في المشروع السياسي الوطني والراغبين في هذا الرفض والمستفيدين منه، .. ويا لها من مفارقة مؤلمة، مفارقة النبل الذي يتحول إلى فساد كبير!

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018