"الفكر العربي" يحتفي بكتاب عميش عن إسهامات العرب والمسلمين في العلوم الطبية

عمّان– الغد- استضاف منتدى الفكر العربي الأربعاء الماضي، مناقشة وإشهار كتاب العين د. عميش يوسف عميش "نشأة العلوم الطبية في عصر الحضارة العربية الإسلامية وتطورها"، الذي أصدرته وزارة الثقافة ضمن سلسلة "كتاب الشهر" مؤخراً.
ويتناول الكتاب في فصوله محطات من تاريخ الطب ابتداءً من أصول الطب القديم في تاريخ البشرية، وحتى مراحل تطور العلوم الطبية في الحضارة العربية الإسلامية، والطب النبوي، وبدايات التمريض، ومدارس ومعاهد التعليم عند العرب والمسلمين، والعلماء العرب الذين ساهموا وأبدعوا في نشأة العلوم الطبية وتطورها، ودور العلماء العرب في تشخيص وعلاج بعض الأمراض ومنها الجلدية، والعلماء الذين قدموا للعالم قبل ألف عام علم الأقرباذين أو الصيدلة. ويتصدر الكتاب شكر لسمو الأمير الحسن بن طلال الذي أشاد بالكتاب وأسلوب خطابه في التعريف بدور العرب والمسلمين في تطور هذه العلوم وفي تقديم معلومات مفيدة للقارئ عن علمائنا وإنجازاتهم.
وشارك في التعقيب على الكتاب كل من: رئيس الوزراء الأسبق د. عدنان بدران المستشار الأعلى لجامعة البترا ومجلس أمنائها، ووزير الصحة الأسبق والكاتب د. زيد حمزة، والوزير الأسبق ميشيل حمارنة مستشار سمو الأمير الحسن بن طلال، بينما أدار اللقاء وشارك فيه الأمين العام لمنتدى الفكر العربي والوزير الأسبق د. محمد أبو حمور، الذي قال في كلمته التقديمية إن المؤلف وجه الكتاب موضوع المناقشة إلى شباب الأمّة، مُنطلقاً من الاعتزاز بأعظم إنجازات العرب والمسلمين في ميدان الطب والعلوم الطبية وإسهاماتهم من خلالها في تطور الحضارة الإنسانية.
وأضاف أبو حمور أن الكتاب يعرض لنماذج من التفكير العلمي والإبداعي في إطار ظروف تاريخية لم تكن فيها التكنولوجيا كحالها اليوم، ما يدلّ على العبقرية العربية والإسلامية في البحث عن حلول لتحديات طبية صحية وبيئية، لا تتعلق بتطور الطب والصحة العامة فقط وإنما أيضاً بتطور الثقافة المجتمعية والحس الإنساني وأيضاً سلامة القدرات البشرية لتعزيز الاقتصاد والإنتاج في المجتمع. ولعل الاستفادة من خلاصة الخبرات التاريخية في هذا المجال ما تزال ممكنة حتى اليوم لأن التراث الطبي فكراً وممارسة، كما كل تراث إنساني ينبغي أن يستفيد منه الجميع وأن يوضع في خدمة البشرية.
وفي عرضه لموضوعات كتابه قال د. عميش يوسف عميش إن ما تم إنجازه في مجال العلوم الطبية في إطار الحضارة العربية الإسلامية كان وسيظل تراثاً خالداً يلهمنا في حاضرنا ويدفعنا إلى مستقبل زاهر. وبين أن هذه الحضارة جمعت العلماء من كل جنس ودين وطائفة واحتضنتهم وشجعتهم وأتاحت لهم المناخ الملائم والمجال الواسع والإمكانات لينتجوا بغزارة في مجال العلوم، ويتبنوا طلاباً كثيرين لتعليمهم، ويقوم هؤلاء من بعد بدورهم بتعليم غيرهم من الأجيال الجديدة. كما أنها استطاعت أن تفرز العلماء الذين درسوا تاريخ الأمم والحضارات الأخرى التي سبقتنا، مثل البيروني في دراسته لحضارة الهند وعقائدها، ومن ثم تمكين هؤلاء من استخدام مواهبهم وإجراء تجاربهم والاهتمام بالمنهج العلمي التجريبي الذي ابتكره العلماء العرب.
ودعا عميش إلى التمسك بمنهج البحث العلمي كوسيلة لتحديث العلوم بمجملها، خصوصا العلوم الطبية، مؤكداً أهمية الارتباط بتراثنا العربي الإسلامي، والالتزام بقواعد ممارسة مهنة الطب وآدابها وأخلاقياتها الإنسانية، وإزالة الصبغة التجارية عن فروع العلوم الطبية.
ومن جهته، أشار د. عدنان بدران في تعقيبه إلى أن الكتاب يشكِّل إضافة نوعية للمكتبة العربية، إذ جمع المؤلف بين حقلين أجاد بهما؛ الأول تخصصه في الطب من جامعة لندن، والثاني المظاهر الفلسفية والحضارية والتاريخية للطب البديل في العالم القديم. وقد تم تأليف الكتاب بأسلوب مبسط سهل تقيَّد المؤلف فيه بالأمانة العلمية لفتح الباب أمام القراء للاستفادة من مضامين الكتاب مهما كانت ثقافتهم وتخصصاتهم.
وأوضح بدران أنه بينما كانت أوروبا تعيش في عصور الظلمات (476م – 1000م) كان العالم العربي والإسلامي يعيش في عصر التنوير في تلك الحقبة (650م – 1100م)، إذ كان الاجتهاد والاختراع والبحث والتأليف والتنقيب والترجمة مفتوحة على مصراعيها، وبرز علماء متميزون مثل ابن سينا والرازي وابن الهيثم وابن النفيس والزهراوي، قدموا المعرفة العلمية للإنسانية جمعاء في مجالات أسهمت في تطور الحضارات وفي ابتعاث حركة التنوير والحضارة الأوروبية الحديثة.
وأضاف بدران أنه بظهور الإسلام ظهرت آيات قرآنية تحث على النظافة وصحة الإنسان، كما جاءت أحاديث نبوية كثيرة في صحيح البخاري حول صحة الماء والغذاء، وظهر الطب البديل الذي استمر حتى يومنا هذا، والطب الروحي والنفسي، والمداواة بالأعشاب وتحسين نوعية الغذاء واكتمال عناصرها التي يحتاجها الجسم، وممارسة الرياضة وإعطاء الجسم ساعات كافية من الراحة والنوم.
ولفت إلى أن نشأة العلوم الطبية في عهد الحضارة العربية الإسلامية كانت تشكل تجميعاً للمعارف والأفكار والتجارب ارتبطت ارتباطاً وثيقاً مع مدرسة ابقراط الطبية، ومذهب جالينوس الطبي، وقد ساهم العلماء المسلمون في تصحيح كثيرٍ من المفاهيم الطبية، وأضافوا عليها من بحوثهم ومشاهداتهم العلمية الكثير مما صنع العصر الذهبي للطب العربي الإسلامي، خصوصا خلال القرنين العاشر والحادي عشر.
د. زيد حمزة عقب على الكتاب مبينا أن المؤلف تناول إنجازات العلماء العرب الرواد الذين ساهموا وأبدعوا في نشأة العلوم الطبية وتطورها، وقد ثبت المؤلف حياة عدد كبير من هؤلاء، وهم جميعاً محط تقدير العلماء في جميع أنحاء الدنيا حتى الآن لدورهم المهم في رفد مسيرة التقدم في علوم الطلب، وقد أضافوا لمن قبلهم من العلماء اليونان وسواهم عند الشعوب الأخرى التي تفتخر أيضا بما حقق الأوائل منها.
وأضاف حمزة أن المؤلف ناشد الشباب كي يحملوا لواء التواصل مع العلوم ومواكبة منجزات العصر. كما يشير إلى المعارف المتراكمة منذ الحضارات السابقة بما فيها حضارات الفراعنة واليونانيين والرومان والبابليين والفرس والبيزنطيين والهنود والصينيين، وفي ذلك من ناحيته إشادة بدور الإنسان أياً كانت قوميته وأياً كان دينه في تقدم العلوم الطبية لخدمة البشر جميعاً.
بدوره، لفت ميشيل حمارنة إلى ما نوه به المؤلف في كتابه من دور بارز وأساسي للإسلام في الحضارة الإنسانية وهو تبديد ما كان يسود العالم وقت ظهوره من التخلف والجهالة، خصوصا في مجال الصحة ومعالجة الأمراض التي كانت تعتمد على السحر والكهانة والتمائم، وكذلك انتشار الأساطير والخرافات وممارسة الشعوذة، وعلى الرغم من صعوبة واستحالة تغيير المعتقدات والممارسات في أي زمن من الأزمان، إلا أن العرب والمسلمين أقدموا على التغيير والتطوير في هذا المجال ونجحوا بتفوق.
كما أشار إلى أن الكتاب موضوع النقاش أبرز دور المرأة عمّا سمّاه بداية التمريض في تاريخنا، فتحدث عن (الآسيات) أو (الأواسي)، وهنّ النساء اللواتي عملنّ على إسعاف المقاتلين في المعارك. وقد كان التمريض من اختصاص فضليات النساء العربيات اللواتي اعتبرنه واجباً.
وبين حمارنة أن المؤلف أراد من كتابه تمهيد طريق من بين طرق عدة للإعلان عن الجهد العربي والإسلامي والمشاركة الفاعلة من أمتنا العربية والإسلامية في الحضارة الإنسانية بعد أن تراجعت أعمال التأليف والترجمة في نشاطات هذه الأمة في وقت نحن بأمس الحاجة فيه إلى العلم والتنوير.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018