متلازمة القدس

معاريف

اودي سيغال

القدس، (عاصمة إسرائيل)، هي مدينة معقدة، مشحونة، كثيرة الابعاد، غنية الطبقات، دائخة ومدوخة. ليس عبثا ان لها أيضا متلازمة خاصة بها وتاريخ غني بقصص الحب، الحروب، الجنون، خيبات الامل والخيانات. دور الباراغواي في تاريخ المدينة وإن كان كقطرة ماء صغيرة على زجاج سيارة، الا انه أيضا جزء من علامات التحذير للخطوات السياسية الهشة لحكومة إسرائيل.
كل عريس يهودي يتلفظ بانفعال قبل كسر الكأس بكلمات: "اذا نسيتك يا اورشليم فلتنساني يميني". اما البارغواي فقد نسيت جدا. لم تكن تحتاج الا لبضعة أشهر كي تبدل القرار الشجاع، السريع والمتسرع للسير في اعقاب دونالد ترامب ونقل سفارتها إلى القدس. وسبق هذه الخطوة زيارة كوراسيو كرتاس، رئيس البارغواي، الذي مثل رئيس الفلبين قليلا، ليس بالضبط هو الشخصية الدولية التي يتباهى المرء بها. محوط بالفضائح جاء في زيارة موضع خلاف كي ينضم إلى ميل جعل الاعتراف بالقدس كعاصمة إسرائيل حقيقة سياسية ملموسة.
في تلك الزيارة توجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى كرتاس وقال له: "عندما قلت لك ان القدس كانت عاصمة الشعب اليهودي على مدى 3 الاف سنة وعاصمة دولة إسرائيل على مدى 70 سنة، قلت: "قرار بالاجمال يعترف بالتاريخ". هذا صحيح. فهو يعترف بالتاريخ ولكنه أيضا يعترف بالعقل السليم. وبالتالي فإن نقل سفارتكم من تل ابيب إلى القدس جاء وفقا للتاريخ، العقل السليم والحقيقة".
والان، بعد أن اعلنت براغواي عن الغاء الخطوة، وبعد أن انهى كرتاس مهام منصبه، مشوق ان نقرأ مرة اخرى ثناء رئيس الوزراء: يا هوراسيو، ولاسفي اسبانيتي ليست جيدة بما يكفي كي اقول كل هذا بالاسبانية، ولكني اريد أن تعرف باننا نتحدث ذات اللغة. هذه لغة القلب".
وعندها ذكر نتنياهو العلاقة عديدة السنين لبراغواي بالشعب اليهودي وجانبها العائلي، حين قال: "نحن نعرف ونذكر دور براغواي في انقاذ اليهود قبل الكارثة وفي اثنائها، وفي استقبال اللاجئين اليهود بعدها. يتبين اليوم ان هذا ليس لقاء بين الدول بل لقاء بين العائلات أيضا. بعض قليل جددا من عائلة زوجتي نجوا من الكارثة. احدهم جاء إلى هنا، ابوها، حمي الراحل. وواحد آخر سافر إلى براغواي. يتبين ان حاشيتك المحترمة بمن فيهم الوزراء المحترمين، السفراء وغيرهم، يعرفون عائلة طابور. اذن أطلب اولا ان تبلغهم السلام، وثانيا قولوا لهم: السنة القادمة في القدس". هكذا نتنياهو.
عائلة أم لا، في غضون ساعة من لحظة نشر القرار بالغاء نقل السفارة واعادتها إلى تل أبيب، أمر نتنياهو بإغلاق السفارة الإسرائيلية في براغواي. فقد سار باتجاه ازمة شاملة. لا صداقة ولا قيم، لا قلب ولا عائلة، فقط غضب، اهانة وثأر. لا ينبغي التأثر كثيرا، فالقرار لا يمس بمكانة القدس مثلما كان القرار بالانضمام إلى ترامب لم يعززها. فالتقلب يؤكد فقط هشاشة الخطوة السياسية وما فيها من خطر. كل من تجرأ على التفكير أو التشكيك بالخطوة الأميركية اصبح على الفور يساري يشكك بمجرد وجود الامة. ولكن هذه الخطوة تؤكد الثمن.
لكل خطوة سياسية موجة مضادة. في هذه الحالة يدور الحديث عن ضغط عربي فلسطيني في جنوب أميركا ضد الخطوة. وذلك رغم أن كل ما فعلته الولايات المتحدة هو تثبيت الواقع الغامض للاعتراض بسيطرة إسرائيل في الجانب الغربي من القدس، دون اعطاء تعبير للخلاف القائم على مكانتها. مشكوك أن تكون مدينة دولية تقررت مكانتها في مشروع التقسيم في 1947، مشكوك أن تكون مدينة لا تحسم مكانتها الا في مفاوضات بين الطرفين.
كما أن الاعتماد على ترامب ينطوي على ثمن. فكل من يعارض الرئيس الأميركي، في الداخل أم في الخارج، يعارض أيضا الخطوات التي يتخذها. ومثلما ألغى ترامب خطط سلفه في المنصب براك اوباما، هكذا سيفعل الرئيس القادم، ولا سيما اذا كان ديمقراطيا متحمسا.
وثمة أيضا الموضوع الاخلاقي. ترامب، المعترف الاكبر بالقدس، يتصدى الان لكتاب آخر، هذه المرة للصحافي المقدر بوب ود وورد. ففي كتاب "خوف: ترامب في البيت الابيض" انكشف بان ترامب يدير البيت الابيض كروضة اطفال. وحسب ما ورد يبدو أن الرئيس لا يدير، يتحكم، يغير رأيه بسرعة، أسير خطاب نفسه، ليس محبوبا من موظفيه ولا مُقدر.
ويضاف إلى ذلك المقال المغفل للمسؤول في الادارة الذي كتب في "نيويورك تايمز" بانه هو وزملاؤه في القيادة ممن لا يرتبطون بالمعارضة اليسارية لرئاسة ترامب، يعملون بهدف حماية المؤسسات الديمقراطية الأميركية من الرئيس حتى نهاية ولايته. ويضيف المسؤول بان المشكلة تكمن في عدم اخلاقية الرئيس وفي ميله لاتخاذ قرارات خطيرة ومتسرعة. واضاف بان الفكرة للشروع في اجراء تنحيته طرحت في الطاقم الوزاري للشؤون العسكرية والسياسية "الكابينيت". هذا هو بطل القدس خاصتنا، وهذه هي المشكلة.
لكل هذه يضاف التحدي المقدسي لعزيز ابو سارة، من سكان شرقي المدينة الذي اعلن بانه سيتنافس على رئاسة البلدية في الانتخابات القريبة القادمة في الشهر القادم. سيترأس ابو سارة قائمة فلسطينية جديدة باسم "القدس لنا" تتنافس لمجلس المدينة. وبصفته مقيما في القدس وليس مواطنا في دولة إسرائيل، فانه يعتزم الالتماس إلى العليا مطالبا بتغيير القانون الذي يستوجب المواطنة لغرض التنافس على رئاسة البلدية.
ويتحدى ابو سارة المفهوم الإسرائيلي المتآكل، القدس الموحدة ويفحص حدود القانون والديمقراطية. "هذه بداية نهاية القدس اليهودية"، كتب حاييم رامون معقبا. هذه المرة مهرج، وفي الانتخابات التالية سيكون أحد ما ذات وزن مثل احمد الطيبي. الفلسطينيون يشكرون نتنياهو، وإلكين وبركات، الذين يرون في القرى الـ 22، التي لم تكن ابدا جزءا من القدس لحما من لحم عاصمة إسرائيل.
الاستنتاج الذي ينشأ من كل التحديات التي تقف امامها القدس هو ان لا سبيل لفرض تسوية أو توافق. لا يوجد طريق التفافي للحسم المتفق عليه. الفلسطينيون يقفون وظهرهم للحائط ولكنهم لن يستسلموا. في النهاية يجب الحديث، والوصول إلى تفاهم. لا ترامب ولا أميركا الجنوبية، ولا غيرهم يمكنهم أن يحلوا محل الحديث المباشر مع الفلسطينيين. الاعتراف بالقدس بعد التسوية سيكون مستقرا ويشكل انجازا سياسيا، بدون هذا يفضل معمعان المعركة والغموض. لان الاكراه يحمل ثمنا ويخلق موجات صدى ضارة.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018