أطفال "الشفة الأرنبية".. تهميش وخدمات طبية متواضعة

منى ابو حمور

 

عمان- لم يدرك أمجد سليمان (10 سنوات) عندما بدأ بتحضير حقيبته المدرسية وقرطاسيته الملونة بألوان "سبايدر مان"، أن يومه الأول في المدرسة سيكون ثقيلا عليه، ليس فقط لأنه سيغيب بضع ساعات عن حضن والدته، وإنما لتلك الشفة الأرنبية التي جعلت منه طفلا مختلفا.

لم يكن أول يوم لأمجد عندما كان في الصف الأول، مميزا كما كان يعتقد، فعاد والخيبة تملأ ملامح وجهه الصغير والدموع محتقنة بعينيه، مختلطة بالخوف والعتب، ونظرة يشوبها القلق لأيامه المقبلة، ونظرات لوم لوالدته التي لم تخبره بأنه مختلف عن أقرانه.

يروي أمجد تفاصيل ذلك اليوم الذي طبع بذاكرته والغصة ما تزال متخذة مكانها في قلبه، كما كأنها اليوم، مستهجنا قسوة الناس عليه في التعامل معه على شيء لم يكن له يد فيه، متمنيا لو أن العالم كله كأمه التي تراه أجمل شخص في العالم.

واستقبلت الثلاثينية بلقيس عبدالوهاب، ولادة طفلها الأول بشفة أرنبية، بخوف وقلق شديدين فاختلطت فرحة ولادتها بقلقها على مستقبل الطفل وكيف سيواجه المجتمع القاسي الذي لا يتقبل الاختلاف.

صدمة بلقيس التي تعمل طبيبة نسائية في أحد المستشفيات الخاصة بولادة طفل بشفة أرنبية كانت كبيرة جدا، لاسيما وأن عائلتها وعائلة زوجها تخلوان من أي إصابة مشابهة، معتقدة أن هذا التشوه سيرافق طفلها طوال عمره وسيسبب له الشقاء.

معاناة بلقيس التي تسكن في (محافظة الكرك)، بدأت عندما علمت بعدم وجود مراكز صحية تابعة لوزارة الصحة متخصصة باستقبال حالات شفة أرنبية واقتصارها على الخدمات العلاجية على مستشفى البشير شرق العاصمة عمان.

وتقول "الوصول إلى البشير يتطلب وقتا وجها كبيرين، خصوصا بالنسبة للطفل"، متابعة أن من غير المنطقي أن يعالج أطفال الشفة الأرنبية من كل محافظات المملكة في مكان واحد.

وتبين أم عمر التي ولد طفلها بإصابة شفة أرنبية وشق في الحلق، أن قسوة المجتمع وعدم تقبله للاختلاف بأشكاله كافة هما ما يجعل وطأة الإصابة بتشوه الشفة الأرنبية كبيرا نوعا ما على الطفل.

لم يتمكن التدخل الجراحي الذي أجراه عمر (سبع سنوات) منذ صغره من محو هذا التشوه أو حتى التخلص من "نبرة" الصوت التي تسبب له الإحراج كثيرا عندما يبدأ الكلام.

وتقول أم عمر "معاناتنا لا تقف عند وجود هذا التشوه فحسب، وإنما بتأثيره على مخارج الحروف" التي تعرض طفلها لإحراج كبير عند الكلام وسخرية من حوله.

وتضيف "الصدمة الحقيقية كانت عند دخول عمر الروضة وتاليا المدرسة، لم يكن ذلك سهلا وتطلب جهدا كبيرا لإقناع مديرة الروضة لقبوله في صفها".

ويسيطر على خالد الحديدي (14 عاما) شعور "الكره" بموسم العودة إلى المدارس بسبب سخرية بعض زملائه في المقاعد الخلفية على صوته أثناء القراءة، مرورا بتجاهل معلمته ليده المرفوعة رغبة بالمشاركة، وانتهاء بكلمات ودموع والدته التي تبقى على وجهها، خوفا على مستقبله.

حرص والدي خالد الدائم على رفع معنوياته ومحاولة إقناعه بتقبل هذا الاختلاف، جعله ينسى أنه مختلف عن غيره، حتى يعود مرة أخرى ليصطدم بتساؤلات كثيرة ونظرات قاسية ممن حوله من الأقارب والأصدقاء وطلاب المدرسة الذين لا ينفكون عن النظر إليه طوال حديثه.

وبدورها، تبرر هيام أحمد (اسم مستعار)، معلمة الصف الرابع، السبب في تجاهل طالبها ذي الشفة الأرنبية لعدم وضوح مخارج الحروف وعدم قدرته على القراءة بطريقة يفهمها الطلاب.

وتبين أن تجاوزها له ليس انتقاصا منه وإنما لوقف استهزاء زملائه به عند القراءة وطلبهم الدائم بتكرار ما قاله بحجة أنه غير مفهوم، وهو ما يدفع بعض المدارس لعدم قبول هؤلاء الطلاب.

في حين تجد والدة الطالبة هيا عثمان (10 أعوام)، أن التهميش والإقصاء اللذين يواجههما طلاب الشفة الأرنبية في المدارس الحكومية لا يقلان صعوبة عن رفضهم لتسجيله، واصفة استياء ابنتها اليومي من طريقة تعامل معلمتها وقريناتها لها في المدرسة.

وتصف الأثر النفسي الذي تتركه تلك المعاملة في نفس طفلتها "تمنعها من المشاركة وتعفيها من القراءة حتى عندما يكون عندها امتحان شفوي تخيرها بين الحضور والغياب".

إحساس بالدونية يعززها التمييز

أخصائي علم النفس والإرشاد التربوي، الدكتور موسى مطارنة، يشير إلى أن التمييز بكل أنواعه له آثار نفسية واجتماعية؛ إذ يُشعر الشخص بالنقص وعدم الاهتمام والإقصاء، فتكون له ردة فعل داخلية بالظلم والقهر والإحساس بالدونية، ما ينعكس على شخصيته، فتصبح غير متوازنة وناقمة على المجتمع وكل من حوله.

ويلفت مطارنة إلى الإسقاطات النفسية التي يولدها هذا التشوه على الأطفال، فتكون لديهم ردة فعل عدوانية وشخصية مضطربة، إلا ما ندر من يكون لديه ثقة في نفسه عالية نتيجة التربية الاجتماعية الصحيحة.

ويلعب إعداد شخصية طفل الشفة الأرنبية دورا كبيرا، بحسب مطارنة، فإذا كان لديه إعداد قوي، منحه التميز والدافعية والمفاهيم الصحيحة في الحياة بأن هذا ليس عيبا ولا ينتقص من شخصيته شيئا، عندها يكون الطفل أقوى.

ويوضح مطارنة، أن هؤلاء الأطفال في العادة يتعرضون للتمييز منذ طفولتهم، فيصبح لديهم شعور بالنقص والتأثر بشكلهم المختلف الذي يجعلهم محط سخرية عند بعض الناس ويبتعدون عنهم.

ويبين مطارنة، أن دمج هؤلاء الأطفال يعمل على تغيير المفاهيم والنظرة لديهم، بأنهم ليسوا مختلفين أو أقل من غيرهم. ويقول "الشكل حالة إنسانية متغيرة ويمكن أن يحصل حادث أو مرض في أي وقت يغير شكل الإنسان"، لذلك لابد من تغيير المفهوم ومنح الطفل الدافعية والتحفيز بالتفكير الإيجابي والتفاعل مع الأنشطة المختلفة حتى تصقل شخصيته بشكل أفضل وتصبح أكثر قوة.

نقص الخدمات الصحية انتهاك لحقوق هؤلاء الأطفال

تشكل حالات الإعاقة، بما فيها الشفة الأرنبية، الشفة المشقوقة، والحنك المشقوق، بحسب خبير حقوق الطفل، الدكتور هاني جهشان؛ عامل خطورة للتمييز ضد الأطفال، إن كان بالنفاذ للخدمات الصحية والتأهيلية التي يحتاجونها بما في ذلك العمليات الجراحية الضرورية، فهذه الخدمات غير متوفرة بشكل مهني جيد في مستشفيات وزارة الصحة، وعند توفرها من قبل مؤسسات المجتمع المدني بالتعاون مع جهات دولية أو تطوعية يشوب قوائم العمليات الفوضى والمحسوبيات والوساطات، وفي كلتا الحالتين لا تتوفر العدالة بتوفير هذه الخدمات للأطفال الذين يعانون من هذه المشكلة، وفي حال إجراء هذه العمليات، هناك تدني مستوى المسارات العلاجية الأخرى التي تشمل توفير أخصائي نطق وأخصائي أنف وأذن وحنجرة وأخصائي تقويم أسنان وخدمات الإسناد النفسي الاجتماعي.

ويجد جهشان أن التمييزين المباشر وغير المباشر، يؤثران سلبا على صحة الأطفال وعلى جودة الخدمات المقدمة لهم، بمن فيهم الأطفال ذوو الإعاقة والأطفال الذين يعانون من "الشفة المشقوقة والحنك المشقوق".

الحق بالحياة والصحة والعلاج

موافقة الأردن على اتفاقيات حقوق الطفل وعلى النصوص التي تناولتها يلزمها بتطبيق ما جاء فيها، وفق جهشان؛ حيث نصت المادة 2 من الاتفاقية والمادة 3 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، على أن "التمييز ضد الأطفال وضد الأشخاص ذوي الإعاقة بمن فيهم الأطفال، هو شكل من أشكال الانتهاك"، وعلى الدول الأعضاء في الاتفاقيات اتخاذ جميع التدابير المناسبة لتكفل للطفل الحماية من جميع أشكال التمييز.

كما نصت المادتان 23 و24 من اتفاقية حقوق الطفل والمادة 25 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، على مسؤولية الدول الأعضاء في توفير الرعاية الصحية المهنية والمتخصصة لعموم الأطفال، بما في ذلك الأطفال ذوو الإعاقة.

غياب مراكز صحية متخصصة يقلل فرص العلاج

يؤكد جهشان ضرورة التزام الحكومة والقطاعات الطبية بتهيئة ظروف من شأنها تأمين الخدمات الطبية والعناية الطبية للجميع في حالة المرض وأن الحق في الصحة يشمل توفير القدر الكافي من المرافق الصحية العمومية والرعاية الصحية والمستلزمات والخدمات والبرامج.

كما تؤكد المواثيق والاتفاقيات الدولية على استفادة الجميع من فرص الوصول إلى المرافق والخدمات الطبية، بدون تمييز، ضمن جميع مناطق الدولة، بحيث تكون المرافق والخدمات الطبية مناسبة علمياً وطبياً وذات جودة ونوعية جيدة.

وتنص الاتفاقيات الدولية دستور منظمة الصحة العالمية، على أن تلتزم الحكومة والقطاعات الطبية بتقديم أعلى مستوى من الصحة، ويشمل الحق في الصحة الحصول على الرعاية الصحية المقبولة والميسورة التكلفة ذات الجودة المناسبة وفي التوقيت المناسب.

قسم الحروق في البشير ملاذ "الأرنبيين"

من جهته، يبين أخصائي الجراحة في مستشفى البشير، الدكتور محمود البطاينة، المدير السابق لجمعية الابتسامة، اقتصار تقديم الخدمات العلاجية للمصابين بتشوه الشفة الأرنبية وسقف الحلق المشقوق بمستشفى البشير، الأمر الذي يشكل عبئا كبيرا على الكادر الطبي الذي يقدم ما بوسعه لتقديم الخدمة العلاجية للحالات كافة.

ويتطلب علاج الأطفال الأرنبيين جهود مجموعة من الأطباء في مختلف التخصصات، بحسب البطاينة؛ حيث يتم تحويل الأطفال في عمر السنة إلى سنة ونصف إلى طبيب الأنف والأذن والحنجرة لعلاج الأضرار الصحية المرافقة للتشوه ومن ثم يتم تحويلهم إلى مراكز النطق لتأثيرها على مخارج الحروف ونغمة الحرف.

ويشير بطاينة إلى أن كل حالات الشفة الأرنبية يتم علاجها في قسم الحروق في مستشفى البشير تحت مظلة التأمين الصحي، مبينا أن العلاج لا يقتصر على الجانب التجميلي فحسب وإنما يتعلق بشكل مباشر بحياة الناس الاجتماعية ومدى تقبل الآخرين لهم وعدم الشعور بعقدة النقص أو الاختلاف بصورة سلبية.

ويوضح البطاينة أن عدم وجود سبب واضح لهذا التشوه يجعل منع حدوثه أمرا صعبا، والأهم من ذلك كيفية التعامل معه وإعطاء المريض حقه كاملا بدون تأخير، موضحا انتشار الإصابة بتشوه الشفة الأرنبية في المناطق الشعبية والأكثر فقرا؛ حيث يولد طفل شفة أرنبية من كل 700 مولود.

كما يلعب سوء التغذية وانتشار ظاهرة الزواج بين الأقارب وعدم حصول المرأة على الفيتامينات الكافية خلال فترة الحمل والالتهابات الفيروسية، كذلك وجود إصابة في العائلة، على احتمالية إنجاب طفل أرنبي.

ويقول البطاينة "الأسباب متعددة ولا يمكن جزمها بأنها وراثية ولكنها تنتقل بين العائلات"، فقد يكون التشوه من جهة واحدة من الشفة أو مرافقا للتشوه كشق في الحلق أو تشوهات أخرى خلقية، مؤكدا صعوبة العملية الجراحية ودقتها.

ويقول البطاينة "إن تقديم العلاج للطفل الأرنبي حق يكفله التأمين والالتزام الأخلاقي الطبي لخصوصية التشوه"، منوها إلى رصد حالات التشوه من قبل طبيب الأطفال الذي يقوم بفحصهم بعد الولادة مباشرة، يسهل العمل الإحصائي ويزيد فرصة العلاج المبكر.

غياب الخطط العلاجية لمرضى الشفة الأرنبية والحلق المشقوق من قبل وزارة الصحة، يزيد العبء على مستشفى البشير الذي ينفرد بدوره بإجراء العمليات الجراحية، وفق البطاينة، مثمنا الاهتمام الدولي الكبير من قبل الجمعيات الخيرية ومؤسسات المجتمع المدني التي تقوم بدوها بإجراء عمليات جراحية مجانية لأطفال الشفة الأرنبية ضمن حملات تقوم بها في المناطق الفقيرة والبعيدة في محافظات المملكة كافة.

ويلفت البطاينة إلى الدور الإيجابي لهذه الحملات التي تصل إلى المرضى في المناطق البعيدة، فتقلل من كلف المجيء إلى عمان من جهة، وتقصر فترة انتظار العلاج من جهة أخرى؛ حيث تعمل الحملة الدولية على إجراء عمليات جراحية مجانية لمدة أسبوع يستفيد منها 100-120 طفلا، في حين يستفيد من الحملات المحلية 40-50 طفلا خلال 3 أيام، ويتطوع في هذه الحملات أطباء من وزارة الصحة وأجانب ذوو كفاءة عالية ومتمرسون.

ويتفق المختصون في وقوع المسؤولية المباشرة لرعاية الأطفال الذين يعانون من الشفة المشقوقة والحنك المشقوق، في المجالات الطبية والنفسية الاجتماعية، على عاتق الدولة، وأي تقصير في توفير هذه الرعاية المتكاملة بعدالة يشكل انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان وحقوق الطفل.

ويؤكدون عدم وجود مبرر للتأخير بتنفيذ الحكومة، بما في ذلك وزارة الصحة، التزاماتها الدستورية والدولية بتقديم الرعاية الصحية الحقيقية لجميع المواطنين، بمن فيهم ذوو الإعاقة بمهنية وعدالة.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018