التفكير للمدى البعيد وليس للربح الفوري

اسرائيل هيوم

يعقوب عميدرور

عندما دخلت العالم الاستراتيجي في الخدمة العسكرية كان هذا في مرحلة متأخرة جدا. ومع الأيام تعلمت بان هناك ميزة للتفكير الاستراتيجي، وان ليس كل ما هو صحيح في المجال التكتيكي صحيح في المجال الاستراتيجي – وبالعكس.
تذكرت ذلك حين سمعت اولئك الذين نددوا بالقرار الأميركي لاغلاق الأونروا. فالحجة التي طرحت، حتى على لسان محافل إسرائيلية تعنى بالمجال الفلسطيني – تقول إن الأمر سيؤدي إلى اضطراب في المنطقة، فهي على ما يبدو صحيحة. ولكن هذه بالضبط هي أحد الاخطاء التي يتميز بها التفكير التكتيكي، الذي يفضل الوضع المعروف بكل نواقصه ولا يعرف كيف يقدر كما ينبغي طبيعة التغيير المستقبلي.
لقد أوقعت الأونروا ضررا كبيرا لإسرائيل، إذ إلى جانب الحرص على رفاه اللاجئين الفلسطينيين، ساعدت في الابقاء عليهم كمشكلة على مدى 70 سنة، وخلقت تشويها اسمه "لاجئ جيل رابع".
فقد ابقي على "ادعاء حق العودة" المرفوض ضمن أمور اخرى بفضل عمل الأونروا "الناجح"، وعليه فمن زاوية نظر إسرائيلية يفضل للوكالة أن تختفي. يستوجب التفكير الاستراتيجي تجاهل الصعوبة القريبة، التكتيكية في صالح الانجاز الاكبر، الاستراتيجي في المستقبل.
مثال آخر على التفكير قصير المدى، الذي يتجاهل الجانب الاستراتيجي، هو تأييد الشخصيات العامة لحماسة الجندي المدان اليئور ازاريا، الذي بات واضحا الآن بانه لم يكن صحيحا التخفيف من عقوبته، في ضوء اقواله الفظة وعدم الاستعداد للاعتراف بخطائه. في المدى القصير يرفع تأييدهم له مكانتهم في اوساط مؤيديهم اذ من لا يريد ان يحمل جنديا صفى مخربا؟ غير أنه على المدى البعيد يلحق مثل هذا النهج ضررا بالمنظومة العسكرية، والمعايير الاخلاقية للمقاتلين والمجتمع المدني. فتأييد فظاظة الجندي المدان معناه انه مسموح تصفية المخرب حتى بعد أن يكون محيدا. تأييده هو اعراب عن عدم الثقة بجهاز القضاء العسكري – الحيوي باداء الجيش. تأييد كهذا هو اعراب عن عدم الثقة بتفكير رئيس الاركان في الموضوع الذي تحت مسؤوليته. وهكذا تؤدي حاجة تكتيكية – أي الرغبة في نيل عطف الجمهور إلى ضرر استراتيجي في مجالات حرجة.
كما أن التشريعات في الكنيست تعاني احيانا من المتلازمة اياها. النموذج الكلاسيكي هو قانون منع الأذان. يحتمل أن يكون له مبرر ما "تكتيكي". يحتمل أن يكون ضجيج الأذان في بعض الاماكن في الفجر، يزعج الاولاد ويعصبن الراشدين. ولكن ينبغي ان يكون في التشريع تفكير استراتيجي أيضا. وفي هذه الحالة يتعلق هذا في شبكة العلاقات مع إسرائيل. فما الذي يدعونا لان نخلق أمامهم نقاط احتكاك أخرى، ذات طابع ديني (حتى وان لم يكن في الاسلام فريضة دعوة المؤمنين بمكبرات الصوت بالذات). فهذا موضوع كان ينبغي حله في حديث مع وجهاء القرى، او إلى مستوى قائد محطة الشرطة القريبة.
وآخر من اظهروا تفكيرا تكتيكيا وليس استراتيجيا هم ثلاثة رؤساء الموساد، الذين انتقدوا رئيس الوزراء على نشر وثائق أرشيف النووي الإيراني. فإذا كنت فهمت على نحو صحيح فقد ذكروا مشكلتين. الأولى هي المس بفكرة السرية في الجهاز، والثانية شخصية تتعلق بان من عرض الارشيف كان رئيس الوزراء وليس ضابط كبير ذو فكر مهني أكثر. يحتمل أن يكونوا محقين بالنسبة للسرية، على الأقل من زاوية نظر الموساد.
ولكن المعلومات الاستخبارية تستهدف خدمة احتياجات الدولة وليس احتياجات ضابط الأمن. في هذه الحالة كان هاما لرئيس الوزراء أن يحقق هدفا استراتيجيا، يبدو حرجا برأيه: المساعدة في خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. فعرض الوثائق كان يفترض ان يخلق جوا ملائما ويعطي شرعية يفترض أن تستند أيضا إلى كشف الارشيف على الملأ، وكل ما تبقى تافه. ينبع الانتقاد من الفرق بين التفكير على اساس الفكر الاستراتيجي وبين التفكير التكتيكي. ومن كان صحيحا أن يعرض ذلك؟ هذا ليس هاما حقا.
ان الحاجة إلى التفكير الاستراتيجي هي حاجة حيوية في كل مجالات الحياة، وليس فقط في المجال الأمني، ولكن ليس سهلا النجاح في ذلك، فهذا تفكير معقد.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018