الترويج للكونفدرالية: دعاية رمادية

د.باسم الطويسي

منذ بدأت مسارات التسوية في التسعينيات من القرن الماضي، لم يتوقف الحديث عن صيغ مستقبلية للعلاقة بين الأردن والدولة الفلسطينية المنتظرة. وفي المقابل، لم تتوقف ماكينة التحذير والتخويف من مشروع الوطن البديل، بالتزامن مع نمو دلالات ومؤشرات على الأرض تؤكد أن ثمة تيارا سياسيا متناميا في الدوائر الإسرائيلية والغربية يتبنى هذا الخيار استراتيجيا، مع ازدياد يمينية وتطرف الدولة والمجتمع في إسرائيل.
اليوم، تبدو فكرة العلاقة الكونفدرالية صيغة مشوبة بالريبة ومشكوكا فيها، ولكنها ذات جاذبية لوسائل الإعلام. وثمة شيء رمادي غير واضح يحدث في الوسط بين السياسة والإعلام.
منذ أن برزت فكرة الصيغة الكونفدرالية لأول مرة في مطلع السبعينيات، لم نشهد لحظة تاريخية تواجه بها هذه الفكرة بالرفض والتشكيك من النخب والقواعد الشعبية الأردنية والفلسطينية على حد سواء، مثلما يحدث اليوم. كما لم تتبلور بوضوح المصالح الوطنية الأردنية التي لا تتفق مع الزج بمستقبل الدولة الأردنية الناجزة في مشروع غير منجز وغير واضح الملامح، كما يحدث في هذا الوقت. والحال ذاتها في الوعي المتبلور بشأن دور هذا الطرح في تصفية القضية الفلسطينية، وحرمان الشعب الفلسطيني من الوصول بإرادته المستقلة إلى شكل الدولة التي يريدها.
كل المعلومات التي نُقلت مؤخرا عن الجانب الفلسطيني بصيغة تعليمات أصدرها الرئيس الفلسطيني لإدارته بالاستعداد لمرحلة الكونفدرالية مع الأردن، مرورا بالتفسيرات التي حللت الزيارات الأردنية إلى رام الله، أو الزيارات الإسرائيلية الى عمان، كلها جاءت من خلال تسريبات إعلامية غير موثوقة المصادر، وساهمت فيها وسائل إعلام عربية وغربية وإسرائيلية محددة ومعروفة، بينما نمت دعاية رمادية حولها غير واضحة المعالم والأهداف ولا المصادر.
هذه الصيغة من الدعاية تبرز في البداية، عادة، على شكل تسريبات لمعلومات في سياق تفسيري منكر ورافض للقضية محور النقاش، ويؤتى بها كي تصبح موضوعا للنقاش العام الذي يفتح المجال لثلاثة أهداف أساسية: الأول، خلق حالة من التطبيع والاعتياد على سماع معلومات جديدة في هذه القضية. وهذا واضح تماما في نمو تسريبات مسألة الكونفدرالية. علما أن الصحف العربية التي تتبنى هذه التسريبات والتعليقات تطرحها في سياق نقدي رافض، لكنها تقوم بوظيفة التطبيع؛ أي أن يعتاد الناس على هذا الخيار. وبعكس ما قد يتوقع البعض، فقد تقوم وسائل الإعلام بالتمهيد لعمل السياسيين وفق هذا النوع من الدعاية. وفي نهاية التسعينيات، رصد تقرير بريطاني أن من بين 400 عميل للمخابرات البريطانية تعاملت معهم في تلك سنة، كان هناك 95 عميلا من الصحافة ووسائل الإعلام وحدها.
ثانيا: تقوم تلك الدعاية بخلق نوع من الاستقطاب، حتى لو كان بمجرد وجود فئة صغيرة من المؤيدين التي تتحول تدريجيا إلى رفع صوتها بوجود منابر إعلامية تتبناها. ويوجد على الساحة الفلسطينية أكثر الناس تشددا ضد أي صيغة للكونفدرالية مع الأردن قبل الدولة وبعد الدولة، وفي المقابل توجد على نفس الساحة فئة رمادية تقبل وتدفع باتجاه أي صيغة، ولو على حساب الأردن وفلسطين معا.
ثالثا: تقوم الدعاية ببناء أجندة سياسية جديدة، بعد أن يفعل كل من التطبيع والاستقطاب فعلهما.
فرص تمرير هذه المسألة تبدو ضعيفة، رغم أن الوقائع على الأرض الفلسطينية لا تبشر بأي أفق للحل بدون وجود اختراق تاريخي، تحديدا في مسألة الاستيطان والمستوطنات. في المقابل، يستمر نمو الوطنية الأردنية في خط متواز مع الوطنية الفلسطينية، وتتسع قاعدة الوعي المتبادل بالكيانية المستقلة، والوعي بالمصلحة المشتركة، والحذر من الوقوع في شرك جديد؛ ما يذهب إلى بدائل لا يتحدث عنها أحد، وأهمها أشكال جديدة من الصراع.

basim.tweissi@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018