قوميّون أمميون طائفيّون عنصريّون

د.أحمد جميل عزم

كيف نعرف إذا كان النظام السوري، أو حزب الله أو الكتائب أو تيار المستقبل في لبنان، أو النظام العراقي السابق أو الحالي، أو أي حزب أو كاتب أردني، أو نظام الحكم أو المعارضة في أي دولة، هي تكوينات وطنية جامعة أم جهوية فرعية؟ كيف يمكن أن يكون العروبي واليساري والإسلامي قبليّا طائفيّا فئوياً في الوقت ذاته؛ فنجد الشيوعيين في بلد ما منقسمين إلى مسيحيين ومسلمين؟! لماذا يعتمد نظام سياسي ما، يدّعي العروبة والقومية، على أبناء طائفة أو مدينة أكثر بكثير من غيرهم، ويورث الحكم في عائلة بعينها؟
تتطلب إجابة هذه الأسئلة الرجوع إلى تعريف الهوية القومية. وأول نقاط التعريف التي نحتاجها هي قضية البنية البشرية للنظام أو الجماعة. ففي تعريف الحركة القومية (أي الحركة التي تتبنى هوية ما)، نجد أنّ أفراداً يمنحون ولاءهم في المقام الأول لمجتمع إثني أو قومي، ويُنَحون ولاءهم لجماعات أخرى قد تقوم على النسب أو الأيديولوجية السياسية. وترغب هذه المجتمعات الإثنية أو القومية بدولتها المستقلة التي تعكس هويتها، أو تطالب بدرجة من الاستقلال في إطار الدولة، أو بحصة في المكاسب استنادا إلى تشكيلها جماعة ذات حقوق قائمة بذاتها.
وبناءً على هذا، فإنّ أي جماعة (أو حزب) تنحصر، أو تكاد تنحصر عضويتها على أتباع هوية فرعية ما، استنادا إلى المذهب أو القومية أو الأصل الجغرافي أو اللون.. إلخ، ستعبر بالضرورة عن مصالح هذه الجماعة وهويتها. وقد يتبنى الحزب خطاباً وطنيّا (على قاعدة الوطن بكل مواطنيه وهوياتهم)، أو حتى أمميّا (أتباع دين أو قومية ممن يعتبرون أنفسهم أمّة واحدة) فيما يتعلق بالعدو الخارجي، حيث تلتقي مصالح أعضائه مع الآخرين في مواجهة عدو مشترك، ولكن حصر العضوية في أتباع هوية فرعية واحدة، وتبني رؤية ما للتاريخ، ووجود مراجع دينية، سواء أكانوا أشخاصا أو كنائس أو مشيخات أو آيات الله.. إلخ، يُوجد تناقضا بين الفكر والشعار، والممارسة أحياناً.
ومن هنا، يمكن أن نجد أحياناً موقفاً تلتف حوله مكونات الوطن أو الأمة، لأنّه ضد عدو مشترك، كما في حالة صدام حسين أو حزب الله، ولكن في مواقف أخرى يكون هناك خطاب "تحت وطني" (طائفي)، فتكون عضوية الحزب، أو النخبة المسيطرة، من خلفية مذهبية، أو حتى قبلية وعائلية أحياناً. وتصبح شرعيّة الحزب أو النظام داخليا مستمدة من تعبيرها عن مصالح أفرادها، في المجتمع الداخلي وضد "الآخر" القريب. وكثيراً ما يتم الانتقاص من "الآخر" القريب، بتأكيد عمالته "لآخر" بعيد. 
النقطة الثالثة، هي الهويات العابرة للحدود. فالهوية الفرعية، تعني في كثير من الأحيان الارتباط بأنظمة وجماعات ذات هوية إثنية أو لغوية أو مذهبية واحدة، وهذا يؤثر في الاصطفافات السياسية من القضايا الخارجية. فمثلا، لا جدال في عداء حزب الله لإسرائيل، ولكن في القضايا الأخرى هناك ازدواجية لا تخلو من اصطفافات مذهبية سياسية. فكيف يمكن لحزب الله أن يسكت أو يرحب بتغيير النظام بالقوة الأجنبية في ليبيا، لتصفية حساب مع النظام هناك، بشأن رجل الدين الشيعي موسى الصدر، وأن يؤيد التغيير في البحرين، بينما يعتبر ما يحدث في سورية مؤامرة؟ ولو لم تكن عضوية حزب الله محصورة بالشيعة، ولم تكن علاقته عضوية مع إيران، هل كانت المواقف ستتباين بشأن ليبيا وسورية والبحرين والعراق على هذا النحو؟
حشد المؤيدين في الداخل على أساس الهوية الفرعية، وتأمين دعم مادي ومعنوي من قوى خارجية ذات هوية مذهبية أو قومية واحدة، أمر تقوم به قوى ونخب يمكن أن ترفع، وبصدق أحياناً وفاعلية، شعار التصدي لعدو مشترك، وتؤدي هذه البنية الفئوية إلى تناقضات سياسية أحياناً.
ليكون حزبٌ ما وطنيا، يجب أن يكون مفتوحا لكل أبناء الوطن، دون أن يكون مطلوبا منهم تبني هويات طائفية جديدة، سياسياً أو دينيّا، ويجب أن يتوصل إلى أجندة تجمع مؤيدين من مختلف المنابت، وفي مجمل المجالات، وليس ضد عدو خارجي فقط، ولا تنطلق مواقفه السياسية الخارجية من أبعاد تتعلق بهوية جزء من المجتمع، ولا يقيم علاقات خارج إطار الدولة مع أنظمة وأحزاب أخرى.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018