وسط إجراءات أمنية مشددة

حنان كامل الشيخ

أفقدها عقلها "أكثم" هذا! إنها تتمنى أن تطرف بعينيها فتجد نفسها قد عادت الى البيت وانتهت من تحضير الغداء لبقية الصغار. كانوا يمنّون أنفسهم بمقلوبة بطاطا هذه الجمعة، لكن أكثم وعناد رأس أكثم سيحرمانهم بالتأكيد منها، بعد أن قضى أسبوعا كاملا في زاوية الغرفة يبكي بشكل متواصل، حتى تشتري له أمه "بوط أديداس"، يرتديه في المدرسة مثله مثل باقي أصحابه.
في الصباح سحبته من بين إخوته النائمين فوق بعضهم بعضا، على المرتبة نفسها، مسحت وجهه بقليل من الماء، وقالت له: "يا الله، قبل ما تبدا صلاة الجمعة وما نعرفش نرجع".
كانت وجهتها سوق البالة في وسط البلد، فالخمسة دنانير "الزائدة" على مصروف البيت، لا يمكن أن تحقق حلمه الأناني، إلا في أحد تلك المحلات التي خبرتها جيدا، وتظن بإحساسها أنها لن تكفي لشراء النوع الذي يريده.
علي.. قصة أخرى! نجح هذا العام في التوجيهي بمعدل 93 % علمي، رغم كل الظروف المحبطة التي تدفع بالشباب في قريته الصغيرة، إلى ترك الدراسة بعد الصف السادس الابتدائي مباشرة. كان لا يتخيل نفسه عاملا في إحدى مزارع الكبار، يعيد تاريخا طويلا عريضا؛ لأبيه وجده ومن بعدهما عمومته وأبناؤهم وبعض من اخوته أيضا. فبالتي هي أحسن، قاوم وداوم وجرجر نفسه حتى وصل الى الثانوية العامة، وتفوق بشكل لا يصدقه عقل من زار بيته مباركا. فالبيت لا يعدو عن كونه غرفة ونصف الغرفة، الكهرباء عزيزة عليه، والماء يصل بشق الأنفس مرة كل شهر، والبساطة القصرية طالت كل موجوداته، من العتبة الى حديث والده عن عدم جدوى "القراية"!
هذا الصباح سيبدأ دوامه الرسمي في مطعم القدس، كأمين مستودع، بعد أن لفظت قائمة التنسيق الموحد، حلمه بدراسة هندسة البرمجيات، واختارت له دراسة الحقوق! لهذا سيعمل هذا العام، حتى يوفر تكاليف دراسته في جامعة خاصة العام المقبل.. "وبعدها يحلها ألف حلال".
بثينة حكايتها قصيرة جدا، ستنزل هذا اليوم قبل صلاة الظهر بربع ساعة الى وسط البلد، وترمي بالـ"حجاب"، وتعود مسرعة تعد سبعة أيام طويلة، تستقبل بعدها العرسان واحدا تلو الآخر! المسكينة لا تعرف أن الشباب لا يعزفون عن الزواج بها شخصيا، بل عن الزواج جملة وتفصيلا!
مر الوقت سريعا على مرتادي وسط البلد في تلك الجمعة، ولم يعوا أنفسهم إلا وهم وسط جموع من المتظاهرين، يهتفون مطالبين بالإصلاح والحريات ومحاربة الفساد. لم يسمع أي منهم عويل أكثم الذي لم يعد بخفي حنين حتى؛ لأن أمه التي انهارت أمام بائع البالة لم تفهم كيف يكون سعر حذاء مستعمل ومهترئ خمسة عشر دينارا كاملة. كانت تهتف بدون أن يسمعها أحد: الشعب يريد حذاء للفقير!
وبالمثل كان علي الذي وجد جسده محشورا فجأة بين عشرات الشباب يهتفون: لا للمحسوبيات، لا للواسطات، بينما كان صوته يرتجف وحيدا وهو يقول: الشعب يريد كلية لأولاد الشعب!
أما بثينة فقد شوهدت وهي تقود إحدى المظاهرات، ومن خلفها عشرات الشباب يرددون: الشعب يريد عشقا في الحلال!

hanan.alsheik@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018