ما قيمة التعديلات الدستورية؟

محمد أبو رمان

ثمة توصيات معتبرة وجيدة، أوصت بها لجنة التعديلات الدستورية، إذا وجدت "نوايا" حقيقية لتنفيذها، فستكون خطوة إيجابية، وانطلاقة جديدة للحياة السياسية، وتحديداً ما يتعلق بتحقيق درجة أكبر من استقلالية السلطة التشريعية، والتوازن بين السلطات، ومحاكمة الوزراء أمام القضاء، والمحكمة الدستورية، وتقييد مدة غياب مجلس النواب، وكذلك صلاحيات الحكومة في إصدار القوانين المؤقتة، والتوصية بحل البرلمان.
بالضرورة، سيكون هنالك نقاش وسجال حول التعديلات الدستورية التي اقترحتها اللجنة، بين من يرى أنّها تلبي مطالب الحراك الشعبي وتمثّل "خطوة واسعة إلى الأمام"، ومن يرى أنّها دون "الحد الأدنى" المطلوب، ومن يجد فيها "مرحلياً" خطوة جيدة تتسق وتتناسب مع الوضع السياسي، باتجاه خطوات أخرى في المستقبل.
أمّا المواطن، فهو معني بدرجة رئيسة بما يراه على أرض الواقع من تغيير يعكس مدى وجود إرادة حقيقية لدى الدولة لتطبيق هذه التعديلات، لا أن تبقى حبراً على ورق، فعند ذلك ستمر مرور الكرام، وسنستمر في "المربع الأول" من "العراك السياسي" المجاني غير المفيد.
الدولة، أولاً قبل غيرها، بمؤسساتها المختلفة هي المسؤولة عن تقديم "النموذج" على احترام مواد الدستور وبنوده، وعن نشر ثقافة دستورية تكرّس مفهوم دولة القانون والمؤسسات والمواطنة والحريات العامة وحقوق الإنسان.
والعكس صحيح، فالدولة، أيضاً، ستكون هي المسؤولة عن عدم احترام الدستور والإطاحة بالتعديلات الدستورية، منذ البداية، وتفريغها من مضمونها، إذا استمرت السياسات الرسمية على نهجها الحالي، وبقيت "العقلية التقليدية" هي التي تحكم رؤية الدولة للحريات والمعارضة وحقوق الإنسان.
احترام الدستور وتطبيقه هو المحك الرئيس لنجاح التعديلات الدستورية، وليس القيام بحملات إعلامية واسعة لترويجها، فالشارع معنيٌّ، بدرجة رئيسة، بما يلمسه من تأثيرات مباشرة لهذه التحولات، وتحديداً في مجال إطلاق الحريات العامة وحقوق الإنسان واحترامها وتقديسها، من قبل المسؤولين والسياسيين.
تسويق التعديلات الدستورية والحلة الجديدة للدستور الأردني، وتحديداً ما تتضمنه من حريات عامة وحقوق إنسان ورد الاعتبار للسلطتين التشريعية والقضائية، كل ذلك مطلوب أولاً تجاه الدولة نفسها، قبل المواطن العادي، لأنّ إيمان المسؤولين بها هو الذي يحوّلها إلى واقع جديد، وتجاهلهم لها أو التحايل عليها – كالعادة- هو الذي يفشلها شعبياً وسياسياً!
الدستور الأردني، حتى قبل التعديلات الدستورية، كان يكفل الحريات العامة وحماية حقوق الإنسان، ويتوافر على مواد متقدمة. لكنّ ما حدث أنّ الجهاز التنفيذي للدولة تجاوز ذلك كله، وانتهك روح الدستور، وعمل ضمن "الاستثناءات" التي يمنحها الدستور – في الحالات الطارئة- لتجاوز هذه الحريات والحقوق الأساسية، فكانت النتيجة أنّ المسؤولين أنفسهم لم يكونوا معنيين بدراسة الدستور، فضلاً عن المواطن العادي، الذي لم يكن يشعر بحاجة إلى معرفتها!
تنص المادة الثامنة عشرة من الدستور، مثلاً، على أنه "تعتبر جميع المراسلات البريدية والبرقية والمخاطبات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال سرية لا تخضع للمراقبة أو التوقيف أو المصادرة إلاّ بأمر قضائي وفق أحكام القانون". فهذه المضامين يمكن أن تكون حجر أساس لصون الحريات العامة وحق الإنسان في السرية، إذا اعتمد الأصل، أو على النقيض من ذلك تنقض هذه الحريات والحقوق إذا توسعت الدولة في الاستثناء.
الرهان اليوم على بناء ثقافة دستورية وقانونية لدى الدولة والمواطن على السواء، تكون هي الحكم الرئيس في تحديد الحقوق والواجبات والحريات العامة. تلك هي البداية الحقيقية للإصلاح.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018