هل من علاقة بين الحرية والفساد؟

ربما يكون هذا السؤال غريباً بعض الشيء، بل قد يكون السؤال الأقرب الى الحقيقة هو: هل من علاقة بين الفساد وغياب الحريات في المجتمعات الإنسانية؟

مناسبة الحديث في هذا الموضوع هو ما يجري في بلادنا من جدل شعبي ساخن حول الفساد الذي استشرى خلال العقود الماضية، وطال العديد من القطاعات والمؤسسات، وبخاصة العامة منها وشبه العامة، وذات القوانين والأنظمة الخاصة، وحتى الشركات في القطاع الخاص، وبالذات بعض الشركات المساهمة العامة.

وعند البحث عن أسباب هذه الآفة أو الوباء الذي ينهش مجتمعنا واقتصادنا، بل ويقضي على آمالنا وآمال الأجيال القادمة في التنمية والحياة الكريمة، لا بد من العودة إلى التاريخ الذي يكرر نفسه في أوقات مختلفة، عندما تتهيأ الظروف الملائمة، والتي من أهمها غياب الحرية والحق في التعبير عن الرأي ، دونما خوف أو تردد.

الحرية هي في القانون الإنساني الأساسي حق أصيل وليست مِنّة أو هدية يمنحها الحاكم أو الحكومات متى وكيفما تشاء. كما أن الفاسدين المتنفذين، وعبر التاريخ، عادة ما يشيعون أجواء الخوف من توفير الحرية للشعوب، بحجة أن هذه الشعوب لم تنضج بعد لممارسة الحرية(!)، أو انها غير قادرة على فهمها والحياة ضمن أجوائها، فهي ما تزال "عاجزة متخلفة"، ولم يحن الوقت بعد لتغيير واقع الكبت والخوف الذي تعيشه. وغالباً ما كانت تنجح البطانات المتنفذه إيّاها في إقناع الحاكم بإبقاء الناس بلا حرية أو منحهم حرية بالقطارة، منقوصة مبرمجة ومراقبة، باستثناء القليلين الذين لم تنطل عليهم مثل هذه النصائح.

فالقيصر الروسي الكساندر الثاني، وقبل حوالي قرن ونصف القرن، انتفض على واقعه الموروث الفاسد الظالم، وحرر الفلاحين، ملغياً حق الاقطاعيين في استعبادهم، رافضاً نصائح بطانته بأن الحرية تعني الفوضى، وأن المجتمع غير قادر أو جاهز لممارسة حريته، وبالتالي، فالبديل هو القهر والشدة التي تقود إلى الالتزام بالنظام العام ومنع الفوضى (!). وقد شكلت فلسفة الكساندر الثاني منعطفاً تاريخياً في حياة الروس، من خلال إيمانه بالحرية والكرامة الإنسانية، خلافاً لما كان سائداً قبله. فكان من الحكام القلائل مَنْ فَهِمَ الطبيعة البشرية، أكثر من القيصر بيوتر أو نيقولاي، أو حتى ستالين فيما بعد.

ففي رسالته التاريخية المؤرخة في آذار (مارس) 1856، يخاطب إقطاعيي موسكو: "من الأفضل، أيها السادة، أن تأتي الحرية من الأعلى، على أن ننتظر حتى تُنْتَزع من الأسفل"، أي إنه يحذر من خطورة أن يضطر الناس إلى أخذ حقوقهم بأيديهم. وبالفعل، استطاع الكساندر الثاني بفضل مرسومه الشهير بمنح الحرية للفلاحين، وقف الانتفاضة العارمة التي كادت أن تندلع في الريف الروسي نتيجة تراكم الظلم والقهر والعبودية.

فالحرية الحقيقية التي تتطلع إليها الشعوب، هي التي تكفل المشاركة الشعبية في صنع القرار ومراقبة أداء الدولة بمؤسساتها كافة، من خلال الآليات الديمقراطية الراسخة في المجتمع والدولة، وبما يؤسس لحالة وجدانية جماهيرية تُقَدّس قيماً اجتماعية نبيلة، كالانتماء، والكرامة، والعدل، والانضباط، والتضحية من أجل الآخرين والوطن، وتجاوز الذات، وتقبل مبدأ الشفافية، والانفتاح على الآخر واحترام رأيه، وقبول مبادئ المساءلة والكفاءة وتكافؤ الفرص، ونبذ الأنانية والمحسوبية والواسطة والتطاول على المال العام.

إن بناء مثل هكذا حالة وجدانية جماهيرية يُشكّل الأساس المتين لسلوكيات الإنسان الحقيقي في الدولة القوية؛ دولة القانون والمؤسسات والعدالة. وعلى النخب السياسية والاجتماعية والفكرية، في مجتمع متعلم ومثقف، أن تلعب دوراً محورياً لترسيخ هذه المنظومة القيمية. إذن، فالحرية هي البلسم والترياق الكفيل بشفاء المجتمع من أمراضه القاتلة، وفي المقدمة منها الفساد بكافة أشكاله وألوانه.

والتجارب التاريخية أثبتت أن الضغط المستمر، والقهر، والتضييق على الناس، لن يؤدي إلى ضبط الأمور وتحسين الإدارة. والإنسان الخائف، مسلوب الإرادة والحرية والكرامة، مهزوم تماماً من الداخل وغير قادر البتة على التفاعل مع نفسه وأسرته ومحيطه الاجتماعي. ولن يستطيع أي حاكم، مهما بلغ من العبقرية والإلهام، أن يحقق تنمية أو ازدهاراً في مجتمع خائف يعاني من القهر والظلم وانتشار الفساد. لكن الحرية، في المقابل، هي الضمانة الحقيقية للتقدم والنماء والرخاء، والأقدر على قطع دابر الفساد والمفسدين. والإنسان الحر هو الأقوى دائماً، والأقدر على العطاء والإبداع، وإعادة تنظيم وتكييف نفسه في مواجهة التحديات، ولن يقبل بأقل من المشاركة الحقيقية في إدارة شؤون بلده وتحصينه ضد جميع أشكال الفساد والنهب: العدو الأول للتطور والتقدم والازدهار، والذي لن يتحقق إلا في أجواء الحرية الحقيقية.

والحكيم، في المحصلة، من اتعظ من تجارب الآخرين واستفاد من دروس التاريخ. فهل نحن جادون حقاً في بناء مجتمع الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الانسان، مجتمعٍ انتزعت من صدور أبنائه بالونات الخوف التي عاشوا معها سنين طويلة، ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، مجتمع قادر على الإبداع والنماء ومواجهة التحديات؟!

* نقيب الأطباء السابق

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018