باتجاه الشمال البعيد..!

علاء الدين أبو زينة


بعد نكسة 67، دخل حياة عائلتي اللاجئة قبل ذلك شيء جديد: نزحت عمتي مع عائلتها، وأسكنتهم "الوكالة" في مخيم شمال المدينة، وأصبحنا نذهب في العطل المدرسية لزيارة عمتي والمخيم. وكان المخيم حينذاك قطعاً من قماش "الشادر" الخاكي اللون، تنسدل مائلة على جانبي الأعمدة مثل يدين محايدتين. وكانت الخيام توثق إلى أوتاد مغروسة في لحم الأرض. وحين يزخّ المطر، يرخي التراب المائع قبضته، فتنسل الأوتاد من أصابعه، وتترك الخيمة طليقة في الريح. وقد تشرع بالزحف، وهي تجر أعنتها الفالتة، صانعة في جسم الأرض المبتلة أثلاماً صغيرة لا تلبث حتى تندمل، قبل أن تسرح متسكعة في عاصفة الليل، تاركة لاجئيها نهباً للعراء والبرد وهجمة المطر.

كانت رحلاتنا المتباعدة إلى المخيم مناسبة لاحتفال الطفل الذي كنته في ذلك الوقت. ولم تكن سنوات عمري الست معنيّة آنذاك باكتشاف العلاقة بين المخيّم والفجيعة، وإنما فقط بكسر الرتابة. كنت أحب أقاصيص الكبار الذين يضحكون كثيراً في أمسيات المخيم وكأنهم في انتظار شيء سيأتي، وأحب ابن عمتي الذي يقاربني في العمر، ويطلق ضحكة مجلجلة شبهها أبي بالصهيل. وكنت أنتظر تلك الرحلة في الحافلة مع أختيّ وأبي وأمي، حين نخرج من المدينة في الطريق البعيدة المتلوية وسط الخضرة، حتى نطل من أعلى التل على السهل المنبسط المزروع بصفوف الخيام خضراء اللون على مد البصر. ولا أدري كيف كان أبي يعرف أين ينبغي أن نترجل، لكنه كان يدق جدار الحافلة، فننزل دائماً في المكان الصحيح، أمام خيام عمتي الثلاث التي تشبه تماماً مئات الخيام المزروعة في السهل الفسيح.

من تلك الأيام، لا تفارقني ليلة شتائية أمضيتها هناك، وكأنها من زمن آخر. كان المطر ليلتها حنوناً بلا ريح، وقد صنع قماش الخيمة عالماً مكتملاً هناك في الداخل، منفصلاً عن الظلمة والمطر. وكان نصيبي من الخيمة الصغيرة دكة صنعت من خشب الطوبار الخشن والمسامير كيفما اتفق، وفرشت بحشية محشوة بالقطن. وعلى عمود الخيمة، تعلقت "لمبة" كاز يرسل فتيلها المحاصر ضوءه الكابي من خلف زجاجة اسودّ أعلاها بفعل السخام، فيرسم الظلال مكبرة على طيات الفراش وكيس الطحين نصف الفارغ المنهدّ في الزاوية. وتحت البطانيات الدافئة، كان مزيج من النعاس، والارتجافات اللذيذة التي تسيل في الأطراف كلما دقت أصابع المطر نغمتها الرتيبة الموصولة على القماش الخشن، وثرثرة البنات التي تصل بلا معنى في المسافة الرمادية بين النوم والصحو. كله اندغم في سيمفونية الليل والمطر ليصنع عالماً سحرياً لا تسعه اللغة.

وتغير المخيم. كان ينبغي أن يكون مؤقتاً، فلم تكن فيه في البداية سقوف مكتملة التكوين والمعنى. ومع الأيام، ملّ الناس الانتظار، فأخلت الخيام مكانها لصناديق كبيرة من "الإسبستوس" الرمادي المرتجل وزعتها وكالة الغوث. وأصبحت تبدو من أعلى التل مثل صفوف هائلة من قطع الصابون النابلسي. وفي "المخيم الجديد" الذي أضيف ليسع الناس المتكاثرين، كانت الصناديق حمراء مثل علم الشيوعية. وشيئاً فشيئاً، أصبحت البيوت تُبنى من الطوب غير المقصور المسقوف بألواح من الزنك المثبت بالطوب.

اليوم، بعد بضعة وثلاثين عاماً، أحدق في المطر الليلي الذي ينهال أخرس خلف زجاج نافذتي العريضة، وأحاول عبثاً أن أستحضر شيئاً يشبه اكتمال تلك الليلة المطرية في خيمة عمتي. لكن تلك العاطفة ذهبت مع المخيم، وذهبت عمتي وسافر ابنها مع ضحكته. وقصرت المسافة إلى المخيم: صار يكفي أن أنطلق من منزلي لأصله في عشر دقائق بالسيارة في الشارع العريض، وطوى الزمن الأرض المخضرة تحت أقدام البيوت.

لم يعد هابط التل يميز شيئاً مختلفاً من الأعلى. ثمة فقط زائدة فوضوية أخرى من أطراف المدينة التي اختطفت المخيم، وألبسته سقوفاً كاتمة للصوت، عنيدة أمام المطر ومزروعة بالأطباق اللاقطة وحبال الغسيل. وحين تصبح في الأسفل، تمر بلا انتباه أمام مكان خيام عمتي، وقد احتله بيت مبني بالطابوق الأحمر يقطنه غرباء على جانب الطريق. ومن غبش زجاج السيارة تحت المطر، لا تكاد تلحظ فرقاً ولا عاطفة جديدة، بينما تتابع طريقك الطويل مرتحلاً في الشارع السريع إلى الشَّمال البعيد..!

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018