الأضاحي مرة أخرى

إبراهيم غرايبة

 

لا بأس بتواصل الحديث عن الأضاحي لعلنا نقترب من فكرة أكثر صوابا، فليس المقصود مناقشة صواب شعائر الأضحية ولا الاستغناء عنها، ولكن الفكرة الأساسية هي البحث عن الحِكَم المقصودة للشعائر والعمل على تمثلها وتطبيقها، فالأضحية تعبير عن الشكر، أو هي متعلقة بأسلوب حياة أو هي دعوة إلى أسلوب حياة، هي ببساطة كيف نحافظ على مواردنا الأساسية التي تقوم عليها حياتنا.

وقد يكون من الخطل الكبير والتحقير للأضحية أن تقارن الدعوة إلى تنظيمها ووضعها في سياق معناها وحكمتها بالإسراف والهدر في التدخين والاتصالات غير العملية وسائر السلع غير الضرورية وبخاصة المستوردة والمكلفة منها، هذا برغم أنني كتبت كثيرا ومبكرا وربما أكون من السباقين في الكتابة المتواصلة والمتكررة عن ترشيد الاستهلاك وربطه بالموارد وأسلوب للحياة يزيد الموارد ويجددها، والبحث الدائم عن فن للحياة يجعلها أكثر جمالا ومتعة وفائدة وفي متناول وقدرة جميع الناس، وأتذكر الآن وأنا أكتب هذه الكلمات مئات المقالات التي كتبتها في هذا المجال.

ولكن الموقع الرئيسي للدين في حياة الناس وأعمالهم يجعل لمناقشة فكرة الأضحية آثارا ممتدة تتجاوز بكثير التكاليف المباشرة للأضاحي، فالمسألة ليست فقط تكاليف هذه الأضاحي، ولكنها متعلقة بالسؤال المفترض عن أثر هذه الشعائر في حياتنا، وكيف نطبقها على النحو الذي يقترب من الصواب ومن حكمتها الأساسية، ولذلك فإن الحديث عنها يكون أكثر أهمية وتعقيدا.

الأضحية تعبير عن القيمة الأساسية للطعام في الحياة والحضارة "فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"، وعن شكر الله على نعمه، والشكر سلوك يؤدي إلى تكريم النعم ونمائها وزيادتها، أو هو مسؤولية يلتزمها الإنسان نحو أخيه في حمايته من الجوع، كيف نشكر الله على نعمة الغذاء؟ أليس ذلك يكون بالالتزام ألا يجوع أحد، وأن يحصل كل إنسان على الطعام المناسب والكافي؟ ألا يعني ذلك بالضبط التزاما فرديا وجماعيا ومؤسسيا بالمحافظة على الموارد وتنميتها وتجديدها على النحو الذي يجعل الناس قادرين على الحصول على الطعام؟ وتكون الأضحية مناسبة أو تعبيرا رمزيا عن استعدادنا والتزامنا بتوفير الطعام وحمايته وجعله في متناول جميع الناس، وكأن هذا اليوم من العام الذي يقدم فيه الإنسان الطعام لأخيه الإنسان هو عهد والتزام ومشاركة بما يشغل العالم كله اليوم، الغذاء وتوفيره ومكافحة الجوع، وكأنه أيضا لا معنى للأضحية أن تكون مستوردة وليست من موارد الناس وحياتهم، فالزكاة والصدقات هي جنس المال المزكى "وآتوا حقه يوم حصاده".

إن الناس في تطورها وسلوكها وتغير أحوالها يتغير فهمها أيضا، وقد ابتعد في ذهن كثير من الناس بتطور الزمن والحياة العلاقة الأساسية بين الدين والعبادة وبين الغذاء وسائر الاحتياجات الأساسية، وما تزال إدارة وتنظيم زراعة الأرز في أنحاء واسعة من آسيا طقوسا دينية يؤديها بالتحديد رجال الدين، أي أنها ينظر إليها على أنها عبادة.

وفي جميع الأحوال فإننا نواصل النظر والفكر بحثا عما هو أكثر صوابا او أكثر اقترابا من الصواب.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018