علاقة صحيّة بين الدين والدولة؟!

جميل النمري

 

خطوة جريئة لمركز القدس للدراسات عقده ورشة تحت عنوان "نحو علاقة صحيّة بين الدين والدولة" ويقفز السؤال؛ ماهي العلاقة "الصحيّة" بينهما؟ الاجابة محسومة عند حركات الاسلام السياسي (معظمها) فالاسلام هو "دين ودولة".

لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فحالما يحكم الدين الدولة سنكون في اليوم التالي امام احتمال أن تحكم الدولة الدين، والحاكم الذي يفترض به ان يكون خادما للدين يمكن ان يجعل الدين خادما له.

واذا قرر البعض تقويم انحراف الحاكم بالكلمة او السيف فقد تكون رقابهم هم تحت السيف بتهمة الزندقة او الردّة، وتاريخ الصراعات الاجتماعية في كل البلدان وكل العصور حتى بزوغ شكل الدولة الحديثة استندت دائما الى اساس ديني. ولم يختلف الأمر بالنسبة للديانات السماوية الثلاث عن الاديان التي سبقتها أو رافقتها، فشرعية كل طرف في الصراع على السلطة يجب ان تستند الى شرعية دينية ما. وفي فجر الحضارات كان الحاكم أو الأمبراطور أحيانا هو الاله أو على الأقل التجسيد العياني له، وفي التاريخ المسيحي قدم الملك أحيانا كظلّ الله على الارض، وفي التاريخ الاسلامي الحاكم بأمر الله.

الدولة الديمقراطية المعاصرة (العلمانية) حسمت الأمر بالفصل التام، وفي عالمنا العربي والاسلامي (دول ما بعد الاستقلال) كانت الصيغة وسطية غالبا اي دولة تحكم بدستور وقوانين وضعية لكنها تعلن الاسلام دينا للدولة والشريعة مصدرا رئيسا للتشريع، وهي صيغة رجراجة ومراوغة تقريبا بشأن علاقة السلطة بالدين، تتلون حسب المراحل والظروف السياسية.

وعليه، فإن السؤال قائم بالفعل وراهن ومركزي ومفتوح لحوارات ساخنة ومديدة. حتّى اصحاب الموقف المحسوم بالفصل أو الاندماج التام لديهم متاعبهم وأسئلتهم، وقبل يومين كان هناك خبر طريف اثار جدلا في الولايات المتحدّة، فقد صدر قرار قضائي بمنع عائلة من وضع لوحة تصورالعذراء ويسوع والمذود على ناصية الشارع قرب البيت، لأن ذلك يمثل ترويجا على ملكية حكومية لدين بعينه، لكن الولايات المتحدة تضع عبارة دينية حاسمة (نحن نؤمن بالله) على كل ورقة عملة، وقد يكون المبرر انها لا تدعو لدين بعينه، لكن الأصل أن تكون العلمانية محايدة تجاه اي ايمان ديني أو عقيدة، وعموما هناك مشاكل معقدة في تطبيق هذا المبدأ.

بالعودة الى الندوة فقد قدمت اوراق عمل ارجو أن تنشر في صحفنا، وتثير حوارا ايجابيا، ومن جهتي لم أتمكن من متابعة الحوار، لكن لا اعتقد ان الورشة عقدت فقط ليسمع مائة شخص، بل ولا بدّ من توزيع مضمونها. واكتفي هنا بايراد الفقرة الأولى من ورقة د. رحيل غرايبة القيادي في جبهة العمل الاسلامي لنقدر كم سيكون الموضوع سجاليا، حتّى داخل جبهة العمل، فالورقة تبدأ بأن" الاسلام لا يعرف الدولة الدينية، ولم يكن هناك دولة دينية اسلامية في التاريخ منذ وجد الاسلام، وانما فكرة الدولة في الاسلام تقوم على اساس مدني، يستند الى اطار مرجعي قيمي مستمد من الاسلام".

jamil.nimri@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018