محاربة الفساد في العراق أهدافها انتخابية

 

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في العراق، نهاية كانون الثاني (يناير) المقبل، تشهد الساحة العراقية تصاعداً لافتاً في وتيرة محاربة الفساد في الوزارات والمؤسسات الحكومية. أهم المظاهر، في هذا الصدد، تجلى في اعتقال وزير التجارة السابق عبدالفلاح السوداني وتقديمه الى المحاكمة بتهمة حصول تجاوزات مالية وإدارية في وزارته. هذا إضافة الى إصدار مذكرات توقيف بحق أكثر من ثلاثين مسؤولاً سابقاً تتهمهم هيئة النزاهة بالتورط في عمليات كبرى من الفساد المالي والإداري طوال السنوات الخمس الماضية. يشار الى أن بغداد تدرس فكرة الطلب من شرطة الانتربول الدولية إلقاء القبض على الموجودين منهم في الخارج وتسليمهم الى بغداد.

للوهلة الأولى، تبدو الصورة بعيدة عن أي قرار حكومي عراقي بالتدخل المباشر في قضية محاربة الفساد. فالجهات التي تتولى تحريك القضية هي هيئة النزاهة والبرلمان العراقي والمؤسسات القضائية. لكن الحقيقة أن قضايا ذات حساسيات بالغة كمحاربة الفساد لا يمكن أن تجرى في دولة عراقية تصنف ضمن أكثر خمس دول تورطاً في الفساد، من دون قرار مباشر من رئيس الوزراء نوري المالكي. مع هذا، تستدعي الخطوة، إذا افترضنا جدّيتها وحقيقيتها، كل تبريك واستبشار. فظاهرة الفساد باتت ظاهرة مستشرية في المؤسسات الحكومية العراقية، وأصبحت تعيق أي تحرك جدّي نحو إعادة بناء العراق أو ترتيب أرضية حقيقية لتطوير عمليته السياسية، أو حتى تمكينه من إدامة الحرب ضد الإرهاب بشكل مؤثر.

لكن المشكلة أن حسابات المالكي في إطار الحملة الراهنة تعتريها نقاط ضعف غير قليلة. فهو يرى، مثلاً، أن المصدر الحقيقي لتفاقم الفساد يكمن في الديمقراطية التوافقية التي أفضت، في رأيه، الى توزيع الوزارات والمؤسسات الحكومية وفق نظام المحاصصة. وكان المالكي أعلن قبل اعتقال السوداني أنه يفضّل تحويل نظام الحكم الى نظام رئاسي يمنع المحاصصات التوافقية التي لا تفضي سوى الى مزيد من الفساد في أجهزة الدولة على حد تعبيره.

غير أن وقائع الأرض تشي بأن مكامن الفساد لا تعود الى الديمقراطية التوافقية، إنما الى أساليب خاطئة ينتهجها المالكي في إدارة حكومته. أما التوافقية المعمول بها في دول مثل لبنان وماليزيا وبلجيكا، فإنها لم تولّد الفساد في هذه البلدان، بل ولّدت الاستقرار والازدهار والتنمية السياسية. من دون شك، لا يعني هذا الكلام أن التوافقية نظام مثالي للحكم رغم أنها حل واقعي لإدارة دول مركبة أو معقدة في بنيانها الداخلي كالعراق. لكن الأكيد أن مشكلاتها، على الأقل في حالتها العراقية، تتصل في المقام الأول بحداثتها وسوء الأوضاع الأمنية وشدّة التمزقّات الاثنية والمذهبية في العراق.

بعيداً عن التفصيلات، لا يرمي رئيس الوزراء العراقي من وراء ربطه بين مسألتي الفساد والتوافقية الى وضع اليد على مكامن الخلل. إنما يتقصّد التشويش على حقائقها. إذ ليس من المعقول أن لا يعرف أن أحد أهم اسباب الفساد في حكومته يعود الى ظاهرة المستشارين الذين يحيطون به وتفوق صلاحياتهم في تنفيذ الخطط والبرامج صلاحيات كل وزرائه. كما أنهم يمتلكون ميزانيات تفوق ميزانيات كثير من الوزارات. كذلك لا يمكن أن لا يعرف أن كيله بمكيالين في التعامل مع وزرائه، أي حجب حق ممارسة الاختصاصات عن وزراء لا يتفقون معه في الرأي السياسي، وإطلاقه أمام وزراء يوالونه الرأي، هو سبب آخر لانتشار الفساد في الوزارات العراقية. الى هذا، لا يمكن له أن لا يعرف أن إطلاق ميزانيات هائلة، نحو ثماني مليارات دولار، لتطوير حقول نفطية في جنوب العراق ووسطه، بعيداً عن أعين الرقابة الحكومية والبرلمانية، سيفضي الى انفتاح الآفاق أمام عمليات نهب وفساد. هنا، قد تفيد الإشارة الى الطريقة المتناقضة لتعامل المالكي مع وزيري الخارجية هوشيار زيباري (كردي) والنفط حسين الشهرستاني (شيعي).

ففي البيان الذي أصدره مكتبه حول انتقاد الموقف السعودي، لم يستشر رئيس الوزراء وزير خارجيته. كذلك لم يستشره في تصعيد الحملات الكلامية ضد دولة الكويت. في الوقت عينه، بادر الى حضّ كتلته البرلمانية على استدعاء زيباري ومحاسبته في البرلمان بذريعة التقاعس عن التعامل مع السعودية والكويت وفق سياسة رئيس الوزراء.

في المقابل، يمنح المالكي صلاحيات واسعة لوزير النفط الشهرستاني ويوفر له كل أنواع الحماية البرلمانية ويتستر على سياساته الفاشلة في قطاع النفط. كما يطلق يده في شنّ حملات كلامية ضد الأكراد رغم أن أكثر من 140 نائباً يطالبونه بضرورة المثول أمام البرلمان لمساءلته عن قضايا فساد في وزارته. من دون شك، لا يمكن لازدواجية كهذه أن تؤدي سوى الى تفاقم ظاهرة الفساد الإداري والمالي في وزارات تستحوذ على مصادر المال العراقي كوزارتي النفط والتجارة.

مع هذا، ليس المبتغى، هنا، البحث عن أسباب الفساد في العراق. إنما هو القول إن الأهداف التي يرمي المالكي الى تحقيقها من وراء محاربته لظاهرة الفساد تتمثل في محاولته الحصول على مكاسب تساعده في الانتخابات المقبلة لتحقيق مآرب سياسية بينها:

أولاً، تضييق رقعة مشاركة السنة العرب والأكراد في الانتخابات عبر تقديم أكبر عدد ممكن من ناشطيهم في إطار العملية السياسية العراقية الى المحاكمات وعمليات العزل وتشويه السمعة.

ثانياً، تلميع صورته الشخصية والتشديد على أنه السياسي العراقي الوحيد الذي يحارب الفساد ويحرص على الأموال العامة ولا يتردد عن محاسبة المسيئين. من شأن تلميع انتخابي كهذا أن يساعده في الحصول على أغلبية مريحة في الانتخابات المقبلة.

ثالثاً، استثمار الحالتين أعلاه للحصول على تفويض شعبي، في فترة ما بعد الانتخابات المقبلة، لإدخال تعديلات على الدستور تضمن تحويل نظام الديمقراطية التوافقية الى نظام رئاسي يغلب عليه الطابع الشيعي، ما يطلق أمامه حرية القفز على المصالحة الوطنية مع المكوّن السني العربي وتطبيق الاستحقاقات الدستورية للأكراد بينها المادة 140 التي تتعلق بكركوك والمناطق المتنازع عليها.

لكل هذا، يصعب التصديق بأن ما يجري في العراق هو محاربة فعلية وحقيقية للفساد. فالوقائع والمعطيات ترجّح أن المحارة الجارية ليست سوى لعبة سياسية ترمي الى تحقيق أهداف انتخابية لصالح طائفة واحدة وحزب واحد ورجل واحد.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018