إعادة النظر في الترويج للديمقراطية

 

 اشتهر الرئيس السابق جورج دبليو بوش بأنه كان ينادي بالترويج للديمقراطية باعتباره مرتكزاً أساسياً للسياسة الخارجية الأميركية. ولم يكن وحده في استخدام هذه اللغة، فقد أدلى أغلب رؤساء الولايات المتحدة منذ وودرو ويلسون بتصريحات مشابهة.

لذا فقد كان من اللافت للنظر أن تعلن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في شهادتها أمام الكونجرس في وقت سابق من هذا العام عن العناصر الثلاثة المهمة في السياسية الخارجية، والتي تبدأ جميعها بحرف الدال: الدفاع، والدبلوماسية، ودعم التنمية، إلا أنها لم تذكر عنصراً رابعاً يبدأ بحرف الدال أيضاً، ألا وهو الديمقراطية، الأمر الذي يشير إلى تغيير في السياسة التي تنتهجها إدارة باراك أوباما.

كان بِل كلينتون وجورج دبليو بوش يشيران مراراً إلى التأثيرات المفيدة المترتبة على الديمقراطية فيما يتصل بالأمن. وكانا يستشهدان بالدراسات الاجتماعية التي تبين أن الأنظمة الديمقراطية نادراً ما تشتبك في حروب فيما بينها. ولكن إذا تحرينا الدِقة فمن الواجب علينا أن نقول إن الأنظمة الديمقراطية الليبرالية تكاد لا تشتبك في حروب فيما بينها أبداً، وإن الثقافة الدستورية الليبرالية أكثر أهمية من مجرد عقد الانتخابات.

فرغم أهمية الانتخابات إلا أن الديمقراطية الليبرالية ليست مجرد نظام يعتمد على الانتخابات فحسب. فالانتخابات في غياب القيود الدستورية والثقافية من الممكن أن تنتج العنف، كما هي الحال في البوسنة أو السلطة الفلسطينية. ومن المعروف أن الأنظمة الديمقراطية غير الليبرالية اشتبكت في حروب فيما بينها، كما حدث بين الإكوادور وبيرو في تسعينيات القرن العشرين.

وفي نظر العديد من المنتقدين في الداخل والخارج فإن التجاوزات التي ارتكبتها إدارة بوش كانت سبباً في تشويه فكرة الترويج للديمقراطية. وكان استحضار بوش للديمقراطية كلما أراد تبرير غزو العراق يعني أن الديمقراطية من الممكن أن تُـفرَض تحت تهديد السلاح. وأصبح تعبير الديمقراطية مرتبطاً بالتفسير الأميركي الخاص له فاكتسب دلالة إمبريالية استعمارية.

فضلاً عن ذلك فإن الأسلوب الخطابي المبالغ فيه الذي تبناه بوش كان يتناقض في الكثير من الأحيان مع ممارساته، الأمر الذي استدعى اتهامه بالنفاق والرياء. فكان انتقاده لزيمبابوي وكوبا وبورما أهون عليه كثيراً من إقدامه على انتقاد المملكة العربية السعودية وباكستان، أما انتقاداته الأولية لمصر فسرعان ما خفت حدتها.

ولكن هناك خطرا في المبالغة في ردود الفعل إزاء الإخفاقات الناجمة عن السياسة التي انتهجتها إدارة بوش. إن نشر الديمقراطية ليس فرضاً أميركياً، ومن الممكن أن يتخذ نمو الديمقراطية أكثر من شكل. لقد انتشرت الرغبة في المزيد من المشاركة على نطاق واسع بين الشعوب مع تطور الاقتصاد وتكيف الناس مع التحديث.

إن الديمقراطية ليست في تراجع. فقد اشتملت القائمة التي تعدها "دار الحرية"، وهي منظمة غير حكومية، على 86 دولة حرة في بداية سنوات بوش، ثم سجل هذا الرقم ارتفاعاً طفيفاً فبلغ 89 مع نهاية ولايته.

وتظل الديمقراطية تشكل غاية جديرة بالتضحيات بين قسم عريض من شعوب الأرض، ولكن من الأهمية بمكان أن نميز بين الغاية والوسيلة المستخدمة لتحقيق هذه الغاية. فهناك فرق كبير بين الترويج العدائي باستخدام القوة وبين الدعم اللطيف للديمقراطية.

ولا شك أن تجنب الإكراه والانتخابات السابقة لأوانها واللغة الخطابية المرائية، لن يحول دون انتهاج سياسة صبورة تعتمد على المساعدات الاقتصادية، وتتبنى الدبلوماسية من وراء الكواليس، وتلجأ إلى أساليب تعددية في تنمية المجتمع المدني وحكم القانون والانتخابات حسنة الإدارة.

ولا يقل عن هذا أهمية أن تكون سبل السياسة الخارجية المستخدمة لدعم الديمقراطية في الخارج مماثلة للسبل التي نمارس بها ديمقراطيتنا في ديارنا. وحين نحاول فرض الديمقراطية فإننا بذلك نعمل على تشويهها. وعندما نرتفع إلى مستوى أفضل تقاليدنا فسوف يكون بوسعنا آنذاك أن نحفز بقية الشعوب إلى محاكاتنا، ونخلق بذلك القوة الناعمة الجاذبة. وهذا هو التوجه الذي أطلق عليه رونالد ريغان "المدينة المشرقة على التل".

على سبيل المثال، أصبح العديد من الناس سواء داخل أو خارج الولايات المتحدة يعتمدون موقفاً هازئاً ساخراً من النظام السياسي الأميركي، زاعمين أن المال هو العنصر الأساسي الذي يهيمن عليه، وأنه نظام مغلق في وجه الجميع باستثناء أهل الدائرة الداخلية. ثم جاء انتخاب باراك حسين أوباما في عام 2008 ليساهم إلى حد كبير في استعادة القوة الناعمة التي تتسم بها الديمقراطية الأميركية.

هناك جانب آخر من جوانب الممارسة الأميركية للديمقراطية الليبرالية في الداخل يخضع حالياً للمناقشة، ويدور حول الكيفية التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع تهديد الإرهاب. ففي ظل مناخ الخوف الشديد الذي أعقب هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)2001، انخرطت إدارة بوش في تفسيرات قانونية محرفة للقانون الدولي والقانون المحلي على النحو الذي أدى إلى تشويه الديمقراطية الأميركية وانحدار قوتها الناعمة.

ولكن من حسن الحظ أن الصحافة الحرة والقضاء المستقل والجهاز التشريعي التعددي كلها عوامل ساعدت في مكافحة مثل هذه الممارسات من خلال المناقشات العامة. وأعلن أوباما أنه سوف يغلق معتقل خليج جوانتنامو في غضون عام واحد، كما قام بتصنيف المذكرات القانونية التي استخدمت لتبرير ما أصبح يعتبر على نطاق واسع الآن تعذيباً للسجناء.

ولكن المشكلة المتمثلة في كيفية التعامل مع الإرهاب ليست مسألة تاريخ. إذ إن تهديد الإرهاب ما يزال قائماً، ومن الأهمية بمكان أن نتذكر أن الشعوب في ظل الأنظمة الديمقراطية تريد الحرية، ولكنها تريد الأمن أيضاً.

في لحظات الخوف الشديد تميل المواقف نحو تغليب الجانب الأمني من المعادلة. فقد عَلَّق أبراهام لينكولن حق المثول أمام المحكمة ـ وهو المبدأ الذي يسمح للمحتجز بالطعن في شرعية احتجازه أمام المحاكم ـ أثناء الحرب الأهلية، كما احتجز فرانكلين روزفلت المواطنين الأميركيين من أصل ياباني في معسكرات اعتقال أثناء الأيام الأولى من الحرب العالمية الثانية.

واليوم حين نسأل بعض أعضاء إدارة بوش الأكثر اعتدالاً وحكمة كيف سمحت لهم مبادئهم باتخاذ المواقف التي اتخذوها في عام 2002، فإنهم يستشهدون بهجمات الجمرة الخبيثة التي أعقبت هجمات الحادي عشر من أيلول  (سبتمبر)، وتقارير أجهزة الاستخبارات عن هجوم وشيك بمواد نووية، وانتشار الخوف على نطاق واسع من وقوع هجمة ثانية ضد الشعب الأميركي. في مثل هذه الظروف تنشأ توترات قوية بين الديمقراطية والأمن.

إن الإرهاب شكل من أشكال العمل المسرحي. ذلك أن الآثار التي يخلفها ليست ناجمة عن الدمار فحسب، بل إنها تنشأ عن تهويل الأفعال البشعة ضد المدنيين. والإرهاب مثله كمثل الجوجيتسو (أحد الضروب اليابانية من فنون الدفاع عن النفس)، حيث يفوز الخصم الأضعف بحمل الخصم الأقوى على استخدام قوته ضد نفسه.

إن الإرهابيين يرجون خلق مناخ من الخوف وانعدام الأمان يحملنا على إيذاء أنفسنا من خلال مسارعتنا إلى إضعاف ديمقراطيتنا الليبرالية. إن سعينا إلى منع وقوع هجمات إرهابية جديدة في الوقت نفسه الذي نعمل فيه على فهم وتجنب أخطاء الماضي سوف يشكل ضرورة أساسية إن كنا راغبين في الحفاظ على الديمقراطية الليبرالية ودعمها سواء في الداخل أو الخارج. وهذه هي المناقشة التي تقودها إدارة أوباما في الولايات المتحدة اليوم.

* أستاذ بجامعة هارفارد، وطبقاً لاستطلاع للرأي جرى مؤخراً فهو العالِم والباحث والمثقف الأشد تأثيراً على السياسة الخارجية الأميركية.

* بروجيكت سنديكيت

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018