الدين والتدين

زليخة أبوريشة

الدينُ غير التديّن. فالتديّن تطبيقٌ، ولطالما كان التطبيق بعيداً عن نظرّيته. وما انهيار الاتحاد السوفياتي والمجموعة الاشتراكية إلا صورة من صور الخلل في ممارسة واحدة من أهم وأعظم الأفكار والنظريات التي تذهب إلى العدالة بين البشر وتحلم بها.

 ولما كان الدين -أي دين- إصلاحاً لأحوال البشر وللنفس الإنسانية، فإن التديّن ينبغي، ويفترض، أن يكون على ذلك القدر من الهمة في إصلاح الحال والنفس. فإذا خلا التدين من الإصلاح كان محضَ زيْفٍ ومحضَ ادّعاء وتدليس.

ولم يأتِ ايُّ دينٍ في أصل دعوته ليقول للناس أن يلبسوا كذا وأن لا يلبسوا كذا.. ولا ليدلهم إلى مظاهر وأعراض، بل ليمكثَ في دواخلهم، ويعيد سرد أخلاقهم، ويرقق شعورهم تجاه الانسان ونبتة الحياة والخير.

 ولذا، فإن التديّن الآخذ باللباس شعاراً لدينه، وبغيره من مظاهر الجسد، وبالطقوس التي جُعل أداؤها سبيلاً الى رهافة المعنى وطراوة الروح، من دون أن تؤدي إلى رهافة المعنى وطراوة الروح.. ليس هو التدين الذي طلبه الدين أصلاً.. ولا المسعى الذي ينتهي عنده.

 فالمتديّن الذي يعنّف عائلته ابتداءً من ضرب الزوجة ونزولاً إلى ضرب الأبناء والبنات... والمتدين الذي يجاهر بغلظة الطبع وفجاجة السلوك.. والمتديّن الذي لا يؤدي عمله بإتقان.. ولا يعُطي الوقت كاملاً له.. والمتديّن الذي يبصق في الشارع، ويرمي قمامته أينما كان.. والمتديّن الذي يؤذي الجار (بادعاء انه على غير دينه او على غير تدينه).. والمتدين الذي يدافع في الطريق والسواقة وفي الدور.. والمتدين الذي لا ينظر في نظافة جسده ولباسه ولسانه وعينه وقلبه.. والمتدين الذي لا يؤدي واجبه.. والمتدين الذي يطلق لحيةً ويطلق العنان للتلفاز أو المذياع ليلعلع بالمواعظ في حين أنه يغش في البيع والميزان..

هذا المتدين لا علاقة له بدينه الذي أمره -أول ما أمر- أن يذهب إلى الرحمة وإلى اللطف وإلى الحنان وإلى تهذيب النفس.. وإلى نبتة الخير التي في قلبه فيسقيها ويعتني بها ولا يطمرها بأكوامٍ من الشهوات وأصنام الافكار البليدة.. وعجائب التخلف. والشر المتخفّي.

 المتدين الذي يتطابق مع دينه الإصلاحي هو ذاك الذي ترى في صورته وفي فعله الخير.. وهو الذي يشعُّ من سلوكه نورٌ خاص.. وهو الذي له مع الجمال عَهْدٌ وميثاق.. وله مع الخير تلمذة وبنوّة.. المتدين الصالح هو ابن الحياة ومريدُها... الحياة الكريمة الجميلة الخيرة..

فانظر في نفسك وفي ثوبك وفي عملك وفي اخفى خفايا قلبك.. أين أنت..

zulayka.abureesheh@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018