في أنّ "الأغنية السياسيّة" نقضٌ على الغناء وتستّرٌ على "السياسة"

لا ينسى أهلُ المهرجانات "الفنيّة" ومنظمّوها ومتعهدّوها والقائمون عليها، منذ أنْ صار لدى "الدول" العربيّة "قضيّة"، لا ينسون ضمّ "فنّان" ، أو أكثر، يغنّي "أغاني سياسيّة"، إلى قائمة المغنّين الذين "يُحيون" ليالي المهرجان. وجرى الإعلامُ على إسباغ صفة "الالتزام" على هذا الفنّان المفترض؛ فيسمّيه "الفنّانَ الملتزم".

ولا ريب في أنّ صفة "الالتزام"، في البلدان العربيّة، تحيل السامع، أوّل ما تحيله، إلى "السياسة"، أي إلى "القضيّة". وقد يكون الباعث على جلب هذا النوع مِنَ "الفنّانين" (على افتراض أنّ ما يقدّمونه يصحّ أنْ يسمّى "فنّاً")، هو أنّ أهل المهرجانات يسعون، بواسطة هؤلاء "الفنّانين"، في درء الانتقادات الموجَّهة إلى مهرجاناتهم، ولاسيّما ما يعتريها مِنْ "مجون وعريّ واختلاط"، على ما يحتسب كثيرون.

ولا يشكّ أهل "الغناء السياسيّ"، شأنهم شأن إخباريّي الصحافة، أي ناقلي أخبار "الغناء السياسيّ"، في أنّ هذا "طربٌ" خالص، بل هو ذروة الطرب. فإذا نقل إخباريٌّ خبرَ "إحياء" "المغنّي" السوريّ المقاوم، سميح شقير، "أمسيةً" في المدرّج الرومانيّ؛ لهث في تعقّب قرائن "الطرب" وأماراته، أغرقَ واسترسل في المديح والإطناب: الإطناب في وصف "حرارة حماس الجمهور"، ومديح المغنّي "الملتزم" وصاحب "الهمّ الإنسانيّ"، على زعم الإخباريّ المأذون والمتحمّس. وآية "الطرب والأجواء الطربيّة"، مِنْ وجه آخر، هي "إقامة حلقات الرقص والدبكة في ساحة المدرّج"، حين غنّى المغنّي "جنين شلالات دمّ".

وهذا كلّه خُلْف، ولا يأتلف في الحسّ (ابن جنّي) ولا يُسيغه عقل (ابن رشد). فجمعُ "الطرب" و"الهمّ الإنسانيّ" إلى "حلقات الرقص والدبكة"، وسَوقُ هذه وتلك في سياقة واحدة ومتّصلة، وردُّ "حرارة الجمهور وحماسه" إلى "شلالات الدمّ"، وسلكُ هذه كلّها في سِلك "الغناء"؛ هي (الجمع والسَّوْق والردّ والسَّلك) نقائض لا يجمعها جامع ولا يربطها رابط. فالغناء، بما هو سعي في متعة لا يحدّها حدٌّ، يذهب في المغنّي، وعلى قدر أقل في السامع، إلى ما وراء التجربة العاديّة والمتوقّعة.

وهو (الغناء)، إلى ذلك، يحاكي الطبيعة مِنْ غير أنْ يمتثل لها؛ فهو يستملي مِنَ النفس والعقل ويُملي على الطبيعة، ساعياً في كمال هذه وتمامها. فإذا صحّ أنّ النفس أعلى مرتبةً مِنَ الطبيعة، وجب أنْ تلحق الثانية بالأولى وتقتفي أثرها، فتكمل بكمالها وتعمل على استعمالها وتكتب بإملائها.

وعليه، فالغناء هو قران مزج الطبيعة، مِنْ طريق تأييد النفس والعقل، بالإيقاع والنغم والقريحة العذبة. فإذا جرى القران مجرى المزج، بلغ الجمالُ كمالَه، أو بلغ الكمالُ جمالَه. وليس هذا حال "الأغنية السياسيّة" ولا هو ما تعلنه هذه "الأغنية" المزعومة وتقرّ به. وليس في "شلالات الدمّ" التي غنّاها شقير ما يرتقي إلى مرتبة الجمال أو الكمال. وحين يرقص "الجمهور" و يقيم "حلقات الدبكة" احتفالاً بـ"شلالات الدم" فليس نازعه إلى ذلك طربٌ؛ فهذا يفضي إلى التهادي والترنّح والإطراق والتجلّي. وهذا كلّه قد يكون آخر ما تبتغيه "الأغنية السياسيّة" وترومه (بما هي نقضٌ على الغناء)، فضلاً عمّا يبتغيه جمهورها ويسعى فيه. وهو الجمهور نفسه الذي ينتقل-مِنْ غير تعثّر- مِنْ "حفلات" جوليا بطرس ومارسيل خليفة وسميح شقير إلى "حفلات" تامر حسني وإليسا وروبي.

ولكنّ "الأغنية السياسيّة" لا تقتصر على إبطال الغناء والنقض عليه، بل تتجاوز ذلك إلى مدح السلاح والجنرالات، والتستّر على صنائعهم و "إنجازاتهم" العظيمة والملحميّة. ومدحُ جوليا بطرس الجنرالَ ميشيل عون وحسن نصرالله قرينة قويّة على ذلك. فـ"الأغنية السياسية"، في طور انتقالها مِنْ مدح السلاح والعسكر إلى مرحلة التستّر على "سياساتهم"؛ تضمر نزعتَها العميقة إلى الاستيلاء على الحياة المدنيّة وتقويضها. فهي ثمرة أحزاب وحركات وعصبيّات لا تتورّع عن إدخال الدول في معمعان حروب لا يسعها العيش والبقاء إلا بها وفيها. وليس صدفةً أنْ تكون "الدول" الشموليّة "الخالدة" منبَجَس "الأغاني السياسيّة" ومنبعها. فهذه "الدول" (أي القوى المستولية على الحكم)،  وجدت في "الأغنية السياسيّة" ذراعاً دعاوية تنوب منابَ "السياسة"، وتتستّر على ضعفها وعلى عدمها على الأرجح. فهي تسعى في قول ما تقصر "السياسة" عن قوله والعبارة عنه. فالسياسة تفترض الكثرة والتعدّد والتحكيم والترجّح والاستدراك والجدل والسرد المعلّل؛ هذا على حين تنكر "الأغنيةُ السياسيّة" ذلك وتبغضه.

فهي تترجّح بين ملحمة حربيّة وبين نشرة "سياسيّة" خَطابيّة حزبيّة، فلا يعرف سامعها أهي ملحمة في معرض نشرة ، أم نشرة في معرض ملحمة. ولكنّ خَطابيّتها وفصاحتها بإزاء العدوّ تمتنع مِنَ الاشتغال حين الكلام عن الفظائع التي تأتيها "الدول" الراعية لها والمتعهدّة بها. فهي ("الأغنية") تسكت عن أحوال المساجين والمعتقلين السياسيّين والمتحفظّين عن "رسالة" الأمّة إيّاها، وتُغضي عن مَقاتل القادة المعصومين والمنزّهين.

وعلى هذا، فـ"الأغنية السياسيّة" دعاوة محضة (أي مزيج مِنَ الدعوة والدعاية)، تتذرّع بالموسيقى وتتوسّل بالألحان، وتلبس لبوساً "فنّيّاً" مرقّعاً، تسعى في رتقه بجلبات ملحّنة على عجل، حين هي ليست أكثر مِنْ خَطابة ونقض؛ وهذا غيض مِنْ فيض، وتلك شرارة مِنْ حريق.

hishamm126@hotmail.com

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018