هل "يصلح" الأعيان ما "أفسده" النواب؟!

المتضرر الرئيسي من إقرار مجلس النواب لقانون الاجتماعات العامة المعدل، كما جاء من الحكومة، هو الدولة، والحكومة كأحد أبرز عناصرها. فالمجتمع المدني والمعارضة السياسية والمواطنون متضررون أصلاً من هذا القانون الذي وضع كقانون مؤقت لأول مرة عام 2001، ثم أقر من المجلس الرابع عشر عام 2004، أي أن ضرره قد وقع منذ زمن، ولا جديد في الأمر سوى استمرار الضرر المادي والمعنوي الناجم عنه. ولن يضير المجتمع الأردني، الذي سبق أن تعايش مع الأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية لعدة عقود سابقة، أن يعاني من قانون عرفي لمدة إضافية.

فالحكومة الحالية ألزمت نفسها بتعديل قانون الاجتماعات العامة. وها هو يتبين الآن أن التزام الحكومة بهذا التعديل الموعود لم يعكس نقلة نوعية في التفكير السياسي او عودة لمضامين الدستور وروحه، فلو كان الأمر كذلك، لما اقتصر الأمر على تعديلات ثانوية وشكلية.

وتفسيرنا للضرر الذي سيصيب الحكومة هو أن هذه التعديلات الطفيفة والشكلية التي أُقرت لن توقف انتقادات المنظمات الدولية، التي ستعتبرها، في أحسن الأحوال، تعديلات غير كافية. وحيث أن هذه المنظمات كثيراً ما أصبحت تبتعد عن الدبلوماسية، فنجدها الآن مثلاً تتهم الحكومة الأردنية بازدواجية الخطاب وتناقض الأقوال مع الأفعال (كما جاء في مقدمة التقرير الشهير لمنظمة هيومن رايتس ووتش في نهاية العام الماضي) فلذلك لن نستغرب أن تجدد هذه المنظمة وغيرها من انتقاداتها للحكومة الأردنية، بخصوص تناقض قانون الاجتماعات العامة مع المعايير الدولية ومع التزامات الأردن العقدية. وذلك بعد ان قامت الحكومة بالمصادقة على العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ونشرتهما في الجريدة الرسمية عام 2006.

المتضرر الثاني الرئيسي من إقرار هذا القانون هو سمعة الأردن الإقليمية والدولية والصورة التي سعى لرسمها لنفسه كنموذج للإصلاح في العالم العربي والشرق الأوسط. فبخلاف الرسالة الاصلاحية التي يجاهد الأردن لترويجها عن نفسه، فإن القانون المعدل لقانون الاجتماعات العامة أرسل رسالة نقيضة وضارة عن "الأردن الاصلاحي"، وعن وجود إرادة سياسية حقيقية لديه للمضي قدماً بالاصلاح. وقد عزز من الأثر الضار الذي أرسله القانون المعدل ذلك الاصرار الحكومي لتمرير القانون في مجلس النواب، دون الالتفات لرأي منظمات المجتمع المدني، بل دون محاولة الوصول إلى حلول وسط معها، أو مع أصحاب الرأي الآخر في المجتمع الأردني، وهم كثر.

يبقى المجتمع، أو الشعب، والفئات الناشطة منه في أمور السياسة والشأن العام، وهو ثالث المتضررين. ولا أقول انهم آخر المتضررين انتقاصاً منهم، وانما انطلاقاً من كونهم متضررين أصليين أساساً. ولأن أمل المجتمع في الاصلاح ضعيف، ويضعف أكثر يوماً بعد يوم، ولأنه "اعتاد" العيش في بيئة سياسية غير ملائمة، ولن يخسر أكثر مما خسره أصلاً، فخسارة معركة قانون الاجتماعات العامة هي جزء من مسار طويل لن يتوقف نضاله خلاله، طال الزمن أو قصر.

وهذا يعيدنا للسؤال: ماذا بعد؟ فبعض قادة منظمات المجتمع المدني يراهنون على المحطة الجديدة لمشروع القانون المعدل لقانون الاجتماعات العامة، وهي مجلس الأعيان. فهل يصلح الأخير ما أفسدته مداولات مجلس النواب؟ وهل يشكل الإطار الصالح لوقفة مراجعة عميقة لكل المسألة، وبرمتها، ليس انطلاقاً من حرفية النصوص، أو من زاوية قدرة مجلس الأعيان على الانحياز أو الاصطدام مع هذا الرأي أو ذاك، وإنما من زاوية تحكيم مصلحة الأردن العليا، بعيداً عن الحسابات الضيقة لربح أو خسارة هذا الفريق أو ذاك؟!

للمراهنة على محطة مجلس الأعيان ما يبررها. فهو افتراضاً مجلس الخبرة والحكمة السياسية. ولقد أثبت مجلس الأعيان في مختلف الحقب أنه، وبفضل نخبة من أعضائه، قادر على مراجعة السياسات الحكومية بمسؤولية عالية ومهنية، بعيداً عن الحسابات الصغيرة والآنية للربح والخسارة. فأرقى المناقشات وأعمقها للسياسات المالية ولموازنة الدولة وللتشريعات المهمة كانت تجرى في مجلس الأعيان.

ولذلك فإن من المشروع أن نتوقع من مجلس الأعيان أن تكون له وقفة مميزة من القانون المعدل لقانون الاجتماعيات العامة، خاصة إذا نظر اليه المجلس من زاوية أوسع تراعي مختلف العوامل والاعتبارات التي تشكل في نهاية الأمر "مصلحة وطنية عليا".

من حق مجلس الأعيان أن يسأل الحكومة أسئلة محددة.

- لماذا جاء مشروع القانون المعدل؟ على هذه الصورة التي تخالف القصد من تعديل القانون؟ فثمة حاجة إلى تقريبه من المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ومنها حقه في الاجتماع، وجعله أقرب إلى مقاصد الدستور الأردني، وإغلاق الباب أمام الانتقادات الداخلية والخارجية التي تسيء إلى صورة الأردن الملتزم بالاصلاح وبالقيم والمعايير الدولية للديمقراطية وحقوق الانسان.

- لماذا يتجاهل القانون المعدل التمييز بين الاجتماع العام في الأماكن المغلقة والمسيرة في الأماكن المفتوحة، رغم اقتناع وزير الداخلية ورئيس الوزراء الأسبق عبد الرؤوف الروابدة، وإعلانهما في المداولات النيابية، انهما مع وجود مثل هذا التمييز بينهما. وهو رأي لا نشك في أن الكثيرين من صناع القرار يوافقون عليه، فلماذا أخفق واضعو القانون المعدل في إدراك الحاجة إلى تثبيته في الصيغة المقدمة إلى البرلمان؟

فلو وقع التمييز بين هذين النوعين من الاجتماعات لانتفت الحاجة إلى قائمة الاستثناءات التي حررت بعض المنظمات والهيئات من القيود المفروضة على الاجتماعات.

وباختصار لا نريد من مجلس الأعيان أن يدخل في مناكفة مع الأكثرية البرلمانية التي مررت القانون المعدل، ولا مع الحكومة، وإنما نريده ان "ينقذ" كليهما والبلد من مأزق تشريع قانون جديد لم يفلح في تعديل قانون قائم، نشكو منه جميعاً، فالقانون المعدل لقانون الاجتماعات العامة يبقي البلد في مرمى نيران الانتقاد الخارجي، وضحية لانقسام داخلي لا مبرر له سوى العناد.

hani.hourani@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018