نحو دمج البيئة في القطاعات الاقتصادية

اتفقت دول العالم على اختيار الخامس من حزيران في كل عام يوما خاصا بالبيئة، يتم فيه تنفيذ نشاطات عديدة بهدف زيادة الوعي والتقدير بأهمية حماية البيئة وإدارة الموارد الطبيعية بطريقة مستدامة تحقق التنمية الإنسانية للجيل الحالي وتحفظ حق الأجيال القادمة في هذه الموارد.

تقوم وزارات البيئة في دول العالم بتنسيق نشاطات وطنية مختلفة في يوم البيئة العالمي، وهكذا فعلنا نحن في الأردن من خلال منظومة نشاطات حاولت أن تسلط الضوء على المشاكل والنجاحات البيئية في الأردن، ولكن النجاح الحقيقي لنا سيكون في حال قمنا بهذا الاحتفال في الأعوام القادمة بتنسيق وريادة من وزارات أخرى.

يعتقد البعض بأن البيئة تمثل قطاعا منفردا ومستقلا يعنى بحماية الطبيعة والموارد وأنه يعكس فكرا مثاليا مرتكزا على قيم الجمال والأخلاقيات وفي بعض الأحيان يكون معيقا للتنمية الإنسانية والاقتصادية، وفي واقع الأمر فإن هذه الفكرة وإن كانت تبدو مثيرة لانطباعات رومانسية فإنها غير صحيحة. حماية البيئة في العصر الحالي أصبحت ركنا جوهريا من أركان التنمية المستدامة بمفهومها المتكامل والذي يضم البعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي والبعد البيئي، بحيث لا يمكن تحقيق تنمية حقيقية تستجيب للاحتياجات الإنسانية إلا من خلال تكامل هذه الابعاد الثلاثة.

أثبتت التجارب العالمية أنه لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة بالنمو الاقتصادي وحده بمعزل عن البعد الاجتماعي والبيئي، وبنفس الوقت لا يمكن تحقيق أهداف حماية البيئة بدون دمج هذه المعايير في السياسات القطاعية، ولهذا فإن دور البيئة يبقى مركزيا في سياسات المياه والزراعة والطاقة والصناعة والنقل والسياحة والتجارة وغيرها من قطاعات التنمية.

في الأردن تحاول وزارة البيئة تحقيق التكامل في السياسات التنموية من خلال دمج البعد البيئي في السياسات القطاعية المختلفة وهو السبيل الأمثل للانتقال من النظرية إلى التطبيق. في القطاع الزراعي ندعو إلى الاستثمار في الممارسات الزراعية الرفيقة بالبيئة مثل الزراعة العضوية وتقديم الحوافز الاقتصادية والضريبية الملائمة لهذا النمط من الزراعة، والتأكيد على البعد البيئي في سلسلة الإنتاج الزراعي بدءا من الري وانتهاء بتقليل استخدام المبيدات وانتهاء بالخصائص البيئية للمنتج الزراعي القادرة على دخول الأسواق العالمية للمنافسة. وفي قطاع الصناعة نهتم بدعم الصناعات ذات التطبيقات البيئية الملائمة والملتزمة بمعايير ومواصفات حماية البيئة وبنفس الوقت استخدام الصلاحيات التشريعية في مراقبة الانتهاكات البيئية. وفي قطاع الطاقة هناك اهتمام كبير بدعم تكنولوجيا الطاقة المتجددة والتي يتميز فيها الأردن خاصة بموجود مورد طاقة لا ينضب وهو الشمس.

والحاجة ماسة في هذا السياق إلى إجراءات تشريعية واقتصادية وتكنولوجية تساهم في التحول نحو الطاقة المتجددة. أما في قطاع النقل فإن الأولوية الرئيسية هي التحول إلى استخدام البنزين الخالي من الرصاص ومحاولة تشجيع النقل العام وهذه تحديات هيكلية في الاقتصاد الأردني تحتاج إلى استجابات متكاملة. أما في قطاع السياحة فالعمل مستمر لتطوير خطة استعمالات أراض تركز على المعايير البيئية في الاستثمار في المناطق ذات التميز الطبيعي والبيئي تسهيلا لعمل المستثمرين من خلال المعرفة المسبقة بتفاصيل الاستثمار الممكن والمواقع المناسبة ودون الإخلال بتميز بعض المناطق البيئية. وفي قطاع الصحة تبقى تحديات إدارة النفايات الطبية من أهم الأبعاد التي تلتقي فيها الرعاية الصحية مع حماية البيئة مع ضرورة إشراك القطاع الخاص في استثمارات تحقق نتائج إيجابية في التخلص من تأثير النفايات الطبية وتحقيق هامش مناسب من الربح بنفس الوقت. 

في هذا العام يحتفل العالم بيوم البيئة العالمي بالتركيز على قضية التغير المناخي والتي باتت تحتل الآن الأولويات السياسية في العالم، ودعونا فقط نركز على اجتماعات الدول الصناعية الثماني في ألمانيا التي تبدأ الأسبوع الحالي لنرى كيف اصبحت قضية التغير المناخي على رأس الأولويات ومجالا للخلاف الواضح بين الموقف الأوروبي والأميركي، بل حتى أن هذه القضية غيرت الكثير من التحالفات السياسية التقليدية إذ أحدثت خلافا بين الولايات المتحدة وبريطانيا، بينما ساهمت في تقارب أميركي-روسي وأميركي-صيني. في العالم العربي توجد مواقف مختلفة ايضا بسبب الدور الكبير الذي يلعبه النفط، ولكن الفترة الماضية شهدت تطورا كبيرا في مواقف الدول العربية نحو العمل على تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد على النفط فقط خاصة أن هذه المنطقة تتميز بكميات هائلة من الطاقة الشمسية والرياح والتي تمثل مصدر طاقة طبيعيا مستمرا إلى الأبد، كما أنه من الأهمية بمكان تطوير التكنولوجيا الشمسية والمتجددة في العالم العربي الآن حتى لا نضطر إلى شرائها من الدول الأخرى بمبالغ طائلة في المستقبل.

يقدم العالم حاليا دعما ماليا للطاقة النفطية بمقدار52 مليار دولار مقابل 8 مليارات للطاقة المتجددة وهذا ما يجعل دور الطاقة النفطية في الاقتصاد أكبر ولكن ميزان النمو يتحول الآن نحو الطاقة المتجددة. ألمانيا تهدف إلى تحقيق هدف الاعتماد على الطاقة المتجددة لتوفير 97% من الطاقة في العام 2050، وحتى في الولايات المتحدة التي تقود التحالف المناهض للإجراءات الناجمة عن بروتوكول كيوتو لمواجهة التغير المناخي يوجد حوالي مليون منزل يعمل على الطاقة الشمسية وسوف يزداد العدد بكثير عندما تصبح التكنولوجيا مجدية اقتصاديا للطبقات المتوسطة في المجتمع.

السياسات الوطنية في مجال الطاقة لها علاقة كبيرة بحماية البيئة وبالتخطيط طويل الأمد للمستقبل. إن خيار تحرير قطاع الطاقة على الصعيد الوطني سبب في ارتفاع كبير في اسعار المنتجات النفطية على المدى القصير ولكنه سوف يدعم كل توجهات تحسين كفاءة الطاقة والتحول نحو الطاقة المتجددة في المستقبل. في المفهوم البيئي لإدارة الموارد الطبيعية والتنمية المستدامة فإن الدعم الحكومي للموارد يمكن أن يتمثل في دعم الخدمات المقدمة للجمهور وليس دعم المادة نفسها، وبالتالي فإن الدعم السابق للنفط كان يساهم في زيادة الاستهلاك ويقدم فائدة أكبر للطبقات والقطاعات الثرية سواء المدنية أو الصناعية التي تستهلك الكميات الأعلى من الطاقة ولكن الدعم المتوازن يمكن أن يتجه نحو الخدمة التي تقدمها الموارد الطبيعية وهذا ما يتطلب سياسات جديدة تأخذ البعد البيئي بعين الاعتبار من خلال حوافز مناسبة لتشجيع الطاقة البديلة أو كفاءة استخدام الطاقة النفطية.

لا يعتبر الأردن بلدا منتجا لانبعاثات الكربون وغازات الدفيئة، إذ إن نسبة مساهمة الأردن في الإنتاج العالمي لغازات الدفيئة هي اقل من 0.1% ولكن الأردن دولة معرضة لتأثيرات التغير المناخي وأهمها حدوث تراجع كبير في مصادر المياه السطحية بنسبة 30% وتراجع في هطول الأمطار وفي الإنتاجية الزراعية وهي تمثل عصب الحياة والتنمية في العالم العربي والأردن.

لقد اهتم الأردن بالعمل على معالجة الآثار المحتملة للتغير المناخي والاستعداد للتكيف مع هذه التأثيرات من خلال المصادقة على بروتوكول كيوتو والذي تضمن إجراءات دعم هامة للدول النامية منها آلية التنمية النظيفة التي تساهم في تقديم موارد مالية كبيرة للأردن من خلال بيع حصص الانبعاثات الكربونية التي لن يصل لها الأردن أبدا إلى الدول الصناعية والشركات الكبرى مقابل تمويل مشاريع تخفض من الانبعاثات .

في هذا اليوم الخاص بالبيئة العالمية نكرر مرة أخرى بأن نجاح جهود حماية البيئة يعتمد على السياسات الوطنية المتكاملة والتي تضع البيئة عنصرا أساسيا في السياسات القطاعية بدلا من التعامل مع قطاع البيئة باعتباره منفصلا ومستقلا لأن هذه النظرة لن تحقق إلا تأثيرا إيجابيا معزولا.

وزير البيئة

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018