محاربة الفساد

أيمن الصفدي

أقرت اللجنة القانونية لمجلس النواب أمس مشروع قانون لمحاربة الفساد. يأتي مشروع القانون هذا ضمن منظومة النزاهة التي يقول رئيس الوزراء معروف البخيت إنها ستؤدي إلى إدارة عامة أكثر نزاهة وأشد التزاماً بالقوانين والمعايير الأخلاقية.

ضروري أن يكون في الأردن تشريعات تجرّم الفساد. لكن الأهم هو وجود البنية المؤسسية التي تحول دون حدوث الفساد أصلاً. وهذه لا تتطور إلا بتجذر احترام القوانين والتزامها، نصاً وروحاً، ثابتاً لا يملك أي كان، حكومة أو مؤسسات خاصة أو افرادا، تجاوزها.

ثمة أيضاً حاجة لتغيير مفاهيم اجتماعية أعطت مشروعية لممارسات هي، أثراً، فساد ينعكس سلباً على المجتمع، إذ تظلم بعضاً، وتعطي بعضاً آخر ما لا يستحق من حقوق أو مكتسبات.

فهنالك غطاء ثقافي اجتماعي وسياسي لممارسات فاسدة ذات انعكاسات مدمرة على المجتمع مثل الواسطة والمحسوبية والالتفاف على القوانين والدستور تحت مسميات مختلفة.

ولا بد لهذا الغطاء أن يُرفع حتى تخطو الدولة بثبات نحو تطوير بنية مؤسسية عادلة وفاعلة وأكثر قدرة على منع الممارسات الفاسدة.

ذلك أن الأثر السلبي للواسطة والمحسوبية، على سبيل المثال، لا ينحصر في إضعاف مواقع عامة وخفض إنتاجية مؤسسات نتيجة تحميل مسؤولية إدارتها أو العمل فيها لأشخاص غير مؤهلين. فهو يتجاوز ذلك إلى تفشي الشعور بعدم الإنصاف عند فئات من المجتمع تُحرم حقوقها وتُسلب فرصها المشروعة في التطور والإنجاز.

الفساد عالم واسع ومتشعب لا يستطيع أي قانون أن يحكمه ويحاصره. وكثير من الممارسات الفاسدة إما عصية على الإثبات قانوناً أو غير مجرّمة بالتشريعات أصلاً. ورغم مركزية وجود قوانين متطورة وفاعلة لتمكين الدولة والمجتمع السلطة القانونية لمحاسبة الفاسدين الذين تثبت ادانتهم، لا بد من التركيز على تطوير آليات منع الفساد قبل حصوله وتوتيد ثقافة مجتمعية ترفضه.

وهذه حصانة يتطلب تطوير المجتمع لها ترسيخ آليات الرقابة والمتابعة والمساءلة في كل مناحي العمل العام وإجبار كل من يعمل فيه التزام القانون. وعلى الحكومات والمؤسسات الرسمية أن تكون أكثر من غيرها ملتزمة القوانين والأنظمة وآليات العمل الدستورية بكل تفاصيلها.

وحتى ذلك لن يكفي لكبح انتشار الفساد وضمان اكتشاف مرتكبيه. فالفساد ثقافة. ومكافحته ثقافة أيضاً. ولن يقوي المجتمع قدرته على الحد من الممارسات الفاسدة إلا إذا تجذرت ثقافة مكافحة الفساد في الوعي المجتمعي.

إذ ذاك سيجد الفاسدون أنفسهم في مواجهة ثقافة عامة تلفظهم وتحاربهم وتتصدى لكل الممارسات الفاسدة، قانونياً وأخلاقياً، حتى إذا لم تكن مجرّمة تشريعاً. ووقتذاك فقط، حين يشعر كل مواطن ان له دوراً وعليه واجباً في رفض كل أشكال الفساد مهما صغرت وأي غطاء تلحفت، ستنحسر ظاهرة الفساد وسيحاصر الفاسدون، وسيكون البلد أكثر إنصافاً وعدالة.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018