مهن تدفع أصحابها للعمل في الظروف الجوية السيئة

مجد جابر

عمان- زخات المطر المتتالية، ورشق السيارات المستمر الذي يُبلله، هو وعربته، إلى جانب برودة الجو القارسة، كل ذلك لم يمنع العشريني مُحسن علي من الوقوف بعربته التي يجللها بغطاء بلاستيكي شفاف، خوفاً من أن تبلل الأمطار الخبز والجبن والبيض المسلوق الذي يبيعه للناس، ليؤمن قوت يومه.
يقف محسن بجانب عربته، يغطي رأسه ووجهه بالكامل، فلا يظهر من وجهه للعيان سوى عينيه ويديه اللتين يصنع بهما  "الكعك" للمارة.
محسن يعمل خلال فصول السنة الأربعة، ساعيا للحصول على قوته. يقول "إن الأجواء القارسة، وهطول المطر، والحالة الجوية، لا تمنعني من الوقوف بعربتي كل يوم عند السادسة صباحاً، على رأس الشارع. ففي البيت أطفال ينتظرونني، بحاجة لمن يوفر لهم قوت يومهم".
ويضيف محسن أنه في أحيان كثيرة يعود إلى المنزل وهو لا يكاد يشعر بأصابع يديه وقدميه، لشدة درجة البرودة في الخارج، فيحتاج إلى بعض الوقت حتى يعاود تحريكها بشكل طبيعي. إلا أنه لا حيلة له في ذلك، فهذه المهنة لا غنى له عنها، فقد اعتاد عليها رغم مردوده المحدود منها.
لكن مهنة محسن ليست المهنة الوحيدة التي تجبر صاحبها على الوقوف في الهواء، وفي قلب الحالة الجوية السائدة، أيا كانت الأجواء، فمهند علي، يضطر بحكم مهنته المتمثلة في "خدمة اصطفاف السيارات" إلى الوقوف طوال اليوم على باب "المول"، منتظراً قدوم أي سيارة، حتى يؤمن وقوفها.
فأيا كانت الأحوال الجوية، سيئة وممطرة، لا يتوانى هؤلاء في الوقوف والانتظار بصبر. فمن يعمل في مهنة مهند لا يستطيع المكوث في الكشك المخصص له، إذ لا بد من أن ينتظر خارجه، سواء لاستلام سيارة من الزبون عند قدومه، أو لإحضارها له عند مغادرته للمكان.
ويقول مهند "مهنتي صعبة جداً، لأني مضطر للوقوف، وفي أسوأ الأحوال الجوية أحيانا، وقد أضطر في أيام كثيرة لأن أوقف سيارة الزبون في مكان بعيد بسبب عدم توفر أماكن قريبة، وهو ما يضطرني للعودة إلى مكاني مشيا على الأقدام!".
ويضيف "أحياناً كثيرة يتسلل الهواء البارد إلى عظامي ممّا يجعلني أفقد الإحساس بأعضاء جسمي، من الرأس إلى القدمين".
أما أحمد علي فقد اعتاد منذ ثلاث سنوات، الوقوف يوميا بعربته على باب إحدى المدارس، بدون أن يحول دونه أي ظرف من الظروف الجوية القاسية، صيفا وشتاء. فهو يقف بعربته لبيع الترمس والذرة لأطفال المدرسة، بعد انتهاء الدوام المدرسي.
ويصف أحمد وقوفه في هذه الأيام الباردة بأنها صعبة جداً، إلا أنه اعتاد الأمر، لاسيما وأنه لا يملك بديلا يعيل به أسرته. والحال أن ما يخفف عن أحمد مشقة البرد والحر تلك الحميمية التي باتت بينه وبين طلاب المدرسة، فهو يعرفهم، وهم يعرفونه ويقبلون عليه، وإن غاب يوما احتاروا وسألوا عنه.
أما أم محمد فهي واحدة من الذين كُتب عليهم العمل في الظروف الجوية القاسية أيضا. فهي لم تتغيب يوماً، منذ خمس سنوات، عن مكانها على رصيف أحد الشوارع. فهي تجلس يومياً في المكان ذاته، حيث تقوم بحفر الكوسا، وتقطيع السبانخ، أو الملوخية، وأنواع مختلفة من الخضراوات، بحسب الموسم، لتبيعها للمارة.
تشير أم محمد إلى أن لديها الكثير من الزبائن، خصوصاً من ستات البيوت اللواتي يأتين إليها دائماً، ويقفن بسياراتهن لأخذ الكوسا المحفورة، أو غيرها. وتقول أم محمد إنها اعتادت الجلوس في أيام الشتاء القارس، وهي راضية بذلك، لأن ذلك هو مصدر رزقها الوحيد "مكره أخاك لا بطل".
وفي هذا الشأن، يرى الاختصاصي الاجتماعي الاقتصادي، حسام عايش، أن لكل موسم من المواسم بعض المهن الشاقة التي تجد من هو مستعد لأن يعمل فيها وينتظر قدومها، ليستغلها من أجل العائد المالي الذي تحققه له.
ويشير إلى أن هناك أشخاصا قادرين على تقديم الخدمة، فيما آخرون مهيأون للحصول عليها، فيلتقي الطرفان، لتنشأ بينهما علاقة تبادل، ويستفيد كل منهما بما تقدمه له من فائدة.
ويضيف عايش أن لهذه المهن ظروفا خاصة، وهي صعبة للغاية أحيانا؛ إذ تُعرّض أصحابها لظروف مناخية عاصفة أحياناً، وقد يصاب بعضهم بالأمراض، كما وقد يدفع بعضهم حياتهم ثمنا لذلك.
وفي جميع الأحوال، لا شك أن هدف هؤلاء الناس واحدٌ، وهو الحصول على عائد  يساوي، أو يقل عن هذه المخاطرة التي يتعرضون لها. علما بأن هناك  أشخاصا يخاطرون من أجل تحقيق عائد لأسرهم، وهذا يؤكد أن ثقافة العيب  قد بدأت تتلاشى، وأن الشباب مستعدون للعمل في أي مهنة، وفي جميع الظروف المناخية.
ولهذه الأسباب، على الحكومة أن تشجع أصحاب هذه المهن، وأن ترعى مصالحهم، وأن تطور أداءهم، وتؤمن الظروف المواتية التي تجعلهم يعملون بشكل آمن، بعيدا عن المخاطر التي تهددهم.

majd.jaber@alghad.jo

majDjaberr@

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018