"فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة"

د. محمد المجالي*

سورة النور مليئة بالأحكام، خاصة الاجتماعية. وهي من اسمها تبشر بأنوار الهدى في النفس والبيوت والمجتمع كله. كما أنها السورة الوحيدة التي ابتدأت بأنها "سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون". وتبدأ بعرض بعض الحدود؛ من زنى وقذف ولعان، وتتحدث عن حادثة الإفك التي رُميت بها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وتعالج بعض أحوال المجتمعات والإشاعات ونقل الكلام بدون تثبت (وهي الأمراض ذاتها في كل عصر)، وما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون من حسن ظن بينهم.
ومن ثم، يبدأ النص بالحديث عن الوسائل التي بها نضمن نقاء المجتمع وصفاءه، ونؤسس بها مجتمع العفة والاستقرار الاجتماعي. فابتدأت الآيات بالإرشاد في شأن الاستئذان وغض البصر وستر العورات وتزويج القادرين، وبعض الحرمات المتعلقة بالبيوت. ثم تأتي آيات النور، وأن الله نور السماوات والأرض، وأين نوره، وحث على ارتياد بيوت الله تعالى. ثم الحديث عن بعض آيات الله التي تبين قدرته ودقة صنعه سبحانه. ثم تبين الآيات صفات المؤمنين وتفرق بين سلوكهم وسلوك المنافقين، خاصة في موضوع الاستجابة والطاعة. ثم بعض أحكام استئذان الأطفال. وتُختم بضرورة التزام أمر النبي نفسه، صلى الله عليه وسلم، وضرورة استئذانه فلا يتخلون عنه، خاصة عند لقاء العدو؛ فكانت الآية هكذا: "لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا، قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" (النور، الآية 63).
إنها من أعظم سور القرآن، وعجيب أن يكون اسمها النور في موضوعات غالبها اجتماعية. لكن الذي أركز عليه هنا هو تلك الخاتمة المشعرة بضرورة تعظيم شأن النبي صلى الله عليه وسلم في أنفسنا، وهو أمر نكاد ننساه أو نتهاون فيه لأكثر من سبب. فبعض الناس لا يعنيه الالتزام أصلا، لا طاعة لله ولا لرسوله. ومنهم من يتلكأ في شأن ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ربما يظن أن ما جاء عن النبي غير قطعي، أو أقل درجة من القرآن، أو أنه سُنّة لا يؤاخذ بها، وربما يرد السُنّة كلها فلا يعترف بها.
إن الآية موضوع حديثي هنا هي فيمن يخالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم. ولا بد ابتداء من التذكير بأن الله أمر بطاعته وطاعة رسوله مطلقا، وكثرت الآيات التي نصها: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول"، بل قال سبحانه عن الرسل جميعا: "وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله" (النساء، الآية 64)، وإلا فما فائدة كونه رسولا مبلغا عن ربه؟! فهو ليس كباقي البشر في موضوع الرسالة ووجوب الطاعة. ومن هنا، فقد حذر صلى الله عليه وسلم أولئك الذين يزعمون اتباع القرآن دون سنته فقال: "يوشك أحدكم أن يكذبني وهو متكئ على أريكته يحدِّثُ بحديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله". وعجيب أن يدعي أحد مثل هذا وهو يقرأ في القرآن نفسه وجوب طاعة الرسول، وقوله تعالى: "وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا" (الحشر، الآية 7).
إن الآيات في سورة النور تحذر من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن يفعل ذلك فليخش على نفسه الفتنة في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة. ولعل ذكر الفتنة هنا بهذا الأسلوب يوحي بأنها عقوبة دنيوية ربما تقلب حياة الإنسان إلى جحيم، حين يعيش مفتونا معرضا عن منهج الله ساقطا من عينه سبحانه. وبعض الفتن ربما يُخرج الإنسان من الدين كله، فمن منا الذي يطيق هذا؟ أما العذاب الأليم، فهو أمر واضح يعده الله لمن خالف منهجه.
ولعل آية أخرى شبيهة بهذه جاءت في سورة النساء، إذ قال تعالى: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا" (النساء، الآية 115)؛ فالآية تتحدث عن مشاقة الرسول بعدم اتباعه وقد تبين له الهدى، ويتبع غير هذا السبيل الحق، فقد ضل وتاه، وأعد الله له جهنم. والآية هنا تخبر عن نوع من الكبر، فما دفعه إلى هذا السلوك برغم بيان الحق لا يمكن إلا أن يكون التكبر عن منهج الله.
إن في زماننا الذي ابتعدنا فيه عن مجموع الدين، ما قد يشجع الإنسان على التمرد والتفوّه ببعض العبارات التي قد يعنيها أو لا يعنيها، ولكنها في العموم خطيرة. فنحن أمام واقع مترد، يخلط فيه الناس بين المفاهيم، ولا يتوثقون من عباراتهم، بل ربما يمزحون فيما بينهم بذكر عبارات استهزاء قد تضر بدينهم كله. فلنحذر هذا، ولنعظم شأن الدين فلا هزل فيه، قرآنا وسنة ومبادئ إسلامية، ولا نريد أن يصل اللهو والعبث إليها، وهي من آخر ما تبقى من ديننا. ولا أقول هذا من باب اليأس، وإنما من باب أن المسلمين الآن في نهضة فكرية عامة، ورجوع إلى الدين، وهي علامة خير وبشرى، ونريد أن يكون الوعي لا مجرد التدين العام، ومن ركائز الوعي طاعة الله ورسوله مطلقا.
ومن جميل الحديث عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ربطها بحب الله تعالى. فمن زعم حب الله فليطع رسوله، فقال تعالى: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم. قل أطيعوا الله والرسول، فإن توليتم فإن الله لا يحب الكافرين" (آل عمران، الآيتان 31 و32). وانظروا الفاصلة القرآنية فهي مخيفة، فمن أعرض عن الله ورسوله فهي من علامات الكفر.
وأختم بأن في أواخر سورة النور هذه ذات الطابع الاجتماعي البحت، هناك واحدة من مبشرات انتصار هذا الدين، فقال تعالى: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً" (النور، الآية 55). وهي لفتة عجيبة أن يكون هذا الوعد الصريح في هذه السورة الاجتماعية، وهي إشارة واضحة إلى أن أجيال النصر لا بد لها من إعداد كامل يبدأ من البيوت والأسر، ثم بيوت الله، وقد تحدثت السورة عنها؛ فهي التربية الحقيقية والإعداد الروحي. ولم تترك الآيات هذا، بل أكدت وبينت مؤهلات جيل النصر من عبادة وإعداد، فالغاية غالية، والثمن لا بد أن يكون كذلك. وهو ما فعله الغزالي لما زار المسجد الأقصى، فنعى للأمة أن واحسرتاه، ليس في "الأقصى" إلا خمسمائة حلقة علم، وكتب (إحياء علوم الدين) لأن الأمة كانت أقرب إلى المادية منها إلى الإعداد الروحي والعبادة. وهكذا فعل صلاح الدين الذي قاد جيوش الفتح من بعد ما أسس المدارس وبنى المساجد. وهي نفسها الأمور التي نحتاجها في أيامنا هذه؛ فالنصر منحة، ومنح الله لا تهدى للعصاة، فضلا عن المتشككين بالله ورسوله ودينه.

*أكاديمي أردني

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018