جيم هاريسون: بدأ شاعرا واليوم صار معروفا برواياته العظيمة

مدني قصري

عمان - بدأ التاريخ الأدبي لجيم هاريسون Jim Harrison بالشعر أوّلا. وإذا كان هذا الأديب الأميركي معروفا اليوم برواياته العظيمة على الخصوص فإن الشعر يبقى عنده تجربة ضرورية، وحاضرة دائما: "إن الشعر يسكنني من الرأس إلى القدمين، وسيظل يسكنني إلى الأبد. فلكي نكتب يجب أن نكون معرّضين للخطر، مثل مظلي مبتدئ يهبط في سماء ولاية تكساس!" هكذا يقول جيم هاريسون..
من قراءتنا لديوانه الشعري "ساعة يوم تمر"، وهو ديوان لم يُنشر، كان قد كتبه ما بين عامي 1965 و2010، نستطيع أن نقيس هذا النشاط الفني، الذي لا ينفصل عن تجربة مادية حقيقية. كتابة الشعر بالنسبة لهاريسون تفترض الاحتكاك بـ"العالم المتوحش"(البري) مع المخاطرة بفقد الوجهة، والوقوع في التيه والضلال، كالسير، مثلا، في إثر طير يحلق فوق بحيرة، مع فقْد الحس بزمن الساعات التي تجري. لأن الفضاء بكامله، في جمال ماديته هو الذي يهم هاريسون ويستهويه. إنه "الفضولي الأبدي"، كما يعرّف نفسه. "دراسة الأزهار تعني تقمص حياة جديدة".
يحتوي كتابه "ساعة يوم تمر" على عدة أجزاء، وعلى أشكال عديدة من الشعر. هذا الكاتب الذي تشغله دائما مسألة السرد، يضع بين أيدينا رواية سردية عظيمة تروي بضع لحظات من النزهة يقضيها الكاتب برفقة كلبه، في حديقة ليفينغستون. ففي هذه القصيدة السردية تستعمل الكتابة التيه لتنشيط الفعل، ومحاولة التخلي عن كل شيء. هناك عند هاريسون وسواس الغريزة، والإرادة الطاغية في الابتعاد عن عالمنا الذي يرى هاريسون أننا أفرطنا في تفسيره.
قبل عشر سنوات، صرح أحد المصورين الأميركيين قائلا: "لقد تحدث البعض عن العودة إلى الطبيعة، ولا أملك اليوم سوى أن أسأل إلى أي مدى وصلوا في هذا البحث؟" لا يوجد أي حنين للجمال البيئي في كتابات هاريسون. ولا حتى الرغبة  في إيجاد صلة عذرية، آدمية. فمن خلال قصائده، نفهم أن الطبيعة ليست أراضي متميزة، ومنفصلة عن العقل وعن الجسم أيضا. فسواء اختلت الطبيعة من تلقاء نفسها، أو تسبب البشر باختلالها فإن هذا لا يكلف هاريسون أي عناء: إنه يعرض شعره للاضطرابات نفسها.
في كتابه "عاقبة اللامعقول" يستعيد جيم هاريسون هذا الاندفاع الغريزي للكلمات ولنظامها الأدبي. فما من كلمة تطغى على كلمة أخرى. ولا اعتراض لأي كلمة على كلمة أخرى بالضرورة. إنما هو خليط من الجمل الواضحة ومن الجمل المرتجفة.
والرجال، مع ذلك، ليسوا غائبين في هذه القصائد الجميلة، لكنهم ليسوا أهم من نبات عود الصليب أو غيره من النباتات المشبعة بالجمال". شعر جيم هاريسون يدعو إلى الصحوة، بدلا من الهروب، وهو يصل قارئه بالطاقات البدائية التي تبدو جديدة.
جيم هاريسون من عائلة برجوازية ميشيغان الصغيرة. قرر وعمره لا يزيد على 16 عاما أن يصبح كاتبا "بدافع معتقداتي الرومانسية والضيق الشديد الذي أشعر به بسبب نمط الحياة البرجوازية والطبقة الوسطى". غادر هاريسون جنوب البلاد وذهب لدراسة الأدب في بوسطن ونيويورك. وفي العام 1965 حصل على الماجستير في الآداب، وشهد ميلاد مجموعته الشعرية الأولى "ترتيل كنائسي" التي نشرت في حينها. وهكذا ما لبث أن تخلى عن منصبه كأستاذ مساعد في اللغة الإنجليزية في جامعة ستوني بروك، في ولاية نيويورك، ليتفرغ للكتابة. وكانت تلك الفترة فترة رواياته الأولى، ولكن أيضا الفترة التي ألف فيها دواوين شعر كثيرة، وسيناريوهات، ومقالات صحفية. وفي العام 1967 عاد إلى ميتشيغان، ونشر فيها أعماله الأدبية الناجحة الأولى، ومنها "يوم طيّب للموت". وفي العام 1975 التقى جاك نيكلسون الذي دفعه إلى الكتابة لهوليوود. وفي العام 1979 أصبحت "أساطير الخريف" أوّل نجاح أدبي حقيقي، أعقبته أعمال أخرى منها "الساحر"، و"شمس كاذبة". وبالتعاون مع توماس ماك غوان كتب هاريسون العديد من السيناريوهات لحساب هوليوود. وفي العام 1989 اقتبس سينمائيا عمله الجديد "انتقام"، وفي العام 1994 كتب سيناريو "وولف". لا شك أن عودة جيم هاريسون إلى عالم الكتابة جاءت من خلال "العودة إلى الأرض" العام 2007 التي جاءت لتعزز شهرته الكبيرة. وبعد رواية "ملحمة أميركية" الصادرة العام 2009 عاد هاريسون العام 2012 إلى كتابة الرواية مع "المعلم العظيم"، روايته الثالثة عشرة.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018