"ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض"

د. محمد المجالي*

من لم تكن له بداية محرقة، لم تكن له نهاية مشرقة، ومن لم يبتل فيتعرف على حقيقة الحياة، لم يكن له التمكين، ومن لم يبذل ويصبر أثناء التمكين، فسيسهل عليه فقدان المنجزات، فبقدر التضحية يكون التمسك بالحق، ونظرة بسيطة على سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم تعطينا هذه المعاني، ونظرة أخرى إلى سنة التغيير تشعرنا بأهمية التمسك بأسباب العزة، وأهم دعائمها -بعد تطبيق شرع الله والأخذ بالأسباب- هي الأخوة والولاء لله ورسوله والمؤمنين، وعدم التنازع المؤدي إلى الفشل والضعف، وعندها نستشعر مداولة الأيام، إذ هي بالمرصاد عندما يتخلى المسلم عن دعائم قوته وسر نهضته، فسنن الله لا تحابي أحدًا ولو كان مسلمًا مظلومًا ما لم يأخذ بالأسباب.
وعنوان هذا المقال هو سنة من سنن الله تعالى في نصرة المظلومين وإن طال بهم عهد الاستضعاف والاستذلال إن هم أخذوا بأسباب العزة، فقد أخبر الله عن بني إسرائيل أنه يريد أن يمن عليهم فقال: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون" (القصص: 5-6)، وهي وإن كانت تتحدث عن بني إسرائيل، لكنها عامة في المستضعفين أصحاب الحق، ويا لها من آيات تتحدث عن بني إسرائيل وقت كانوا مظلومين مضطهدين مستضعفين، ولم يشكروا الله تعالى أو يتذكروا ما حل بهم وما منَّ الله عليهم فمكنهم، لكنهم –وهم أصحاب الأخلاق الذميمة والنفسية المستكبرة- ينقلبون على نعمة الله، وتكرر هذا معهم، فهم بعد إذ نجاهم الله من فرعون يطلبون عبادة الأصنام، وبعد ذهاب موسى عليه السلام للقاء ربه يعبدون العجل، وبعد إذ ابتلوا بالتشرد في عصرنا الحالي وتكون مؤامرة الغرب في زرعهم في خاصرة الدولة الإسلامية، إذ هم يطبقون ما حل بهم على غيرهم، وهذه قمة النذالة والجحود، فالشعوب التي آوتهم وعاشوا في ظلها بحقوقهم الكاملة، إذ هم ينقلبون على النعمة، ويظنون أنفسهم يعيشون في نعمة، وما هي إلا مقدمات النقمة عليهم والنعمة والمنة على المؤمنين المستضعفين، فسنن الله لا ولن تتخلف.
أكتب هذه المرة على غير عادة، من واقع مشهود غير منقول، ممن رأى لا ممن سمع، أكتب من غزة وقد رأيت ما رأيت، بعيدًا عن الجوانب السياسية، فأنا أتحدث عن الجوانب القرآنية والتاريخية في تحقيق العدل وكرامة الإنسان، وأن هناك قيمًا إنسانية لا يسامح فيها ربنا أحدًا، فمن أعرض عن سبل الهدى وعاند وارتكب حماقة استضعاف البشر فلا بد هو مقهور مستضعف يومًا ما، وصدق الله: "وتلك الأيام نداولها بين الناس"، فبغض النظر عن المسبِّب وإلقاء اللوم على فلان أو علان، فالله أعلم بالمحسن والمسيء، وكلنا موقوف بين يدي الله تعالى مسؤول عما اقترفت يداه، وللتاريخ أبواب، وكل منا أعلم بنفسه ومشاعره وهواه.
أكتب من غزة، من جامعة الأقصى، حيث ضمَّنا من ست دول عربية مؤتمرٌ حول البحث العلمي والدراسات العليا، بالتعاون مع الأمانة العامة لاتحاد الجامعات العربية، كانت حلمًا أن تطأ قدماي أرض فلسطين، وغزة على وجه التحديد، حيث المأساة نتيجة عقوبة جماعية يفرضها العالم على حين غفلة من القيم الإنسانية، تطاع فيها قوى الاستكبار، وينسى الناس أن الله لهم بالمرصاد، فالظلم لا بد زائل، والمستضعفون لا بد منصورون ممكّنون، بل الله يخبر أنهم سيكونون أئمة سادة، وليذهب بك التفكير ما شاء، فوعد الله لا يمكن أن يتخلف، فانظر إلى الوضع الاقتصادي العالمي المتردي، وبداية إفلاس الدول، وتهاوي أنظمة استكبار عربية وحلول نماذج أخرى مكانها، كل ذلك بشرعية كاملة، وهذا التغيير في قناعات الغرب الذي وكّل نفسه وصيًا على الشعوب، حين رضخ لما نسميه إرادة الشعوب في التغيير، وهو نفسه الذي دعم الدكتاتوريات حين تكون مصلحته، لكنه الآن يصحو على الحقيقة، فالزمن تغير، والعقلية القديمة لا بد من تغييرها، ونشهد في المغرب وتونس وليبيا ومصر الآن واقعًا محتلفًا، والأيام قادمة لنشهد هذا في اليمن وسورية، وليصبح ما كان في غزة أيضًا حقيقة كما هي، ولكن لم يفهمها الناس حينها، والآن آن الأوان لمعرفتها.
لم يعتبر بنو إسرائيل بما جرى لهم، وهم يزعمون أنهم متحضرون أصحاب حق، بالأمس كانوا مشردين وإذا بهم يمارسون التشريد على صاحب الحق، بالأمس كانوا مستضعفين يقتَّلون، واليوم هم يَستضعفون غيرهم ويقتلونهم ويحرقونهم، يا للظلم ما أضعف حجته وما أقصر طريق زواله، ونعجب كيف يقف معظم العالم مع الظلم؟ وكيف يكون ذوو القربى والدين والدم مع الظلم؟ أي ذل هذا وأي تردّ لن يسامحنا التاريخ فيه، فقد سُجِّل وانتهى أن قومًا من المسلمين حوصروا وعوقبوا من عدوهم، وإخوانهم من أهل دينهم وعروبتهم ينظرون كيف يذبحون.
أجدني بحاجة إلى إعادة النظر في تعريف الحرية والعبودية، من هو الحر الحقيقي والعبد الحقيقي؟ وما هي قيمة الحياة إن كانت مستذلة مطأطئة رأس صاحبها، وكم من أصناف للعبودية، للشهوات والأهواء والأسياد والأعداء، فحين يشعر الإنسان بكرامته وإرادته وعزته، فلا أظن أن هناك سعادة فوقها، فليست السعادة راحة بدن أو تمتعًا بمظاهر مادية.
أستذكر كيف عاش النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين وهو محاصر يأكل وصحبه أوراق الشجر، وسامهم أعداؤهم سوء العذاب، ولكن انتصر للحق نفر من المشركين أبت أنفتهم وشهامتهم أن يبقى أقرباؤهم على هذا الحال، فمزقوا تلك الصحيفة اللعينة، وكان انتهاء تلك المقاطعة الآثمة، بل يجدوا بأعينهم آية ربانية حين تأكل الأرَضة كل ما كتبوه إلا عبارة (باسمك اللهم).
ولفتة أخيرة في الآيات أنها ذكرت ما (يحذرون)، فقد قتل فرعون من قتل ليتفادى موسى، وأبى الله إلا أن يتربى موسى في حجره، واليهود اليوم سيجدون ما يحذرونه، ليس بالضرورة من قوة، بل من إرادة القوم وتصميمهم على الحياة العزيزة، وفي أوبتهم ورجعتهم إلى الله وأخذهم بالأسباب مجلبة لرعاية الله لهم، حينها سيجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين الممكنين، وسيرى الظالمون أي منقلب سينقلبون.


*عميد كلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018