الطويسي: المؤسسات قد لا تكتشف بذور الفشل بسبب الصمم والعمى الناتجين عن البيروقراطية

وزير الثقافة الأسبق يستعرض قصة نجاح كاتب دنماركي في عالم الشركات


عزيزة علي


Azezaa.ali@alghad.jo

عمان - قال الدكتور عادل الطويسي إنَّ سطوع نجم الكاتب الدنماركي لارز كولند في عالم الأعمال بدأ بعد العام 1988، عندما قاد شركة (Oticon) العالمية من الوضع المتدهور الذي وصلت إليه بعد نجاح منقطع النظير إلى "دورة حياة ثانية" فعادت أقوى مما كانت عليه.

وأضافَ خلال محاضرة له في دائرة المكتبة الوطنية الأربعاء الماضي، أدارها وقدمه فيها مديرها العام الأستاذ مأمون ثروت التلهوني، ضمن برنامج "منتدى الأربعاء/ تكريم قارئ"، أنَّ نجاحَ كولند جاءَ بسبب تطبيقه للنظريات التي أوردها في كتابة "الدورة الثانية: كيف نربح الحرب ضد البيروقراطية".

وتفيدُ فلسفة الكاتب أنَّ "النجاح قد يحمل بذور الفشل، وهذه البذور يجب أن يتمَّ البحثُ عنها واكتشافها في الوقت المناسب؛ وهو الوقتُ الذي تكون فيه المؤسسة في أوج نجاحها".

واستدركَ الطويسي أنَّ المؤسسات قد لا تستطيع اكتشاف بذور الفشل في كثير من الأحيان بسبب ما يسمى بـ "الصمم أو العمى المؤسسي"، الناتج عن البيروقراطية.

وأوضحَ أنَّ البيروقراطية تعني "تطبيقَ القوانين بالقوة في المجتمعات المنظمة، والاعتماد على الإجراءات الموحَّدة وتوزيع المسؤوليات بطريقة هرمية والعلاقات الشخصية"، لافتا إلى أنه مفهوم يستخدم في علم الاجتماع والعلوم السياسية.

ونوَّهَ الطويسي أنه التقى مؤلف الكتاب قبل تسعة أشهر عندما حضر للمشاركة في أسبوع مدينة الحسن العلمية، وقامَ باهدائه نسخة منه، مبيِّنا أنه عند قراءته له وجد فيه فوائد كثيرة رغب في عرضها وتعميمها من خلال مشاركته في هذا النشاط الذي يُخصَّص جزء منه لتكريم قارئ.

ولفت إلى أنَّ الوقت الذي بدأ فيه كولند كتابة الكتاب في العام 2005، اتسَمَ بفقدان شركات عالمية كبرى مثل "فورد وجنرال موتورز"، جانباً كبيراً من حصتهما من مبيعات السوق، وبدأت الاتحادات العمالية تفقد أعداداً كبيرةً من أعضائها.

وتابعَ أنَّ المدارسَ الحكومية عانت في ذلك الوقت كذلك من تراجع كبير في أداء مهامها، كما بدأت الصناعة الألمانية تفقد عالميتها، فضلاً عن المشاكل التي أصابت الكنيسة الكاثوليكية والفضائح الكثيرة التي واجهتها إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن وغيرها من الظروف.

والكتابُ يتضمَّنُ، وفق الطويسي، تسعة فصول، خصِّصَ الفصلُ الأول للحديث عن مفهوم "الدورة الأولى" لأي مؤسسة أو شركة، والتي تتميَّزُ بفترات عدة تبدأ بالمجاهدة والعمل إلى حين الانطلاق، ثم تليها فترة النمو السريع وتقديم الخدمات والمنتجات بكثافة، وينجم عن ذلك الازدهار ورضى كبير من الزبائن.

يلي ذلك، كما يأتي في ذات الفصل، فترة الركود التي تضعُ الإدارة تحت ضغوطات كثيرة تضطرها إلى تنفيذ إجراءات تتمثل بجلب الخبراء وتغيير الإدارات أو إعادة هيكلة الشركة أو تصغيرها.

ويترتبُ على تلك الإجراءات إعادة انتعاش المؤسسة لفترة محدودة، ثمَّ العودة إلى الركود مرة أخرى، والاقتراب من الاحتضار، وبالتالي مزيد من تغيير الإدارات والتصغير والدمج وفي النهاية موت المؤسسة.

والنهاية الحتمية لتلك المؤسسة، تأتي بحسب كولند لأنَّ مسؤوليها لم ينتبهوا لبذور الفشل في فترة الازدهار، وإصابتهم بالعمى والصمم المؤسسي واهتمامهم بجلب مزيد من العوائد.

ويضيف كولند في كتابه بأن بذور الفشل تكمن في ثلاثة عوامل هي: حجم المؤسسة الذي يؤدي الى الزيادة المطردة وضعف السيطرة عليها، وعمر المؤسسة؛ فكلما عمّرت المؤسسة أرست تقاليد تصبح بالتالي قيوداً على التقدم فيها، حيث إن هذه التقاليد الراسخة تطغى على التوجه نحو الإبداع والابتكار، أما ثالث هذه العوامل فهو النجاح الباهر والرضا عن النفس الذي يسبِّبُ السعادة بالوضع القائم، وهذا ما يدلُّ عليه مفهوم "الصمم أو العمى المؤسسي".

أما الفصل الثاني من الكتاب، كما يبيِّنُ الطويسي، فيتحدث عن الدورة الثانية في حياة المؤسسة وهي دورة الاستدامة التي تنشأ عن تنبّه المعنيين في المؤسسة إلى حقيقة أن التقاليد القائمة أو النموذج القائم في الإدارة والإنتاج لن يعود مناسباً بعد فترة من الزمن.

فصول أخرى في الكتاب تطرَّقت إلى ما أسماه كولند بـ "صندوق العدّة"، وهو ما جاء في الفصل السابع، ويعتبره الطويسي أهم فصل في الكتاب. ويحتوي الصندوق على سبع علب داخلية تحتوي على أدوات أو عدد تساعد المؤسسات على تقييم الوضع الحالي، ومعرفة ما اذا كانت المؤسسة قد أصيبت بداء الدورة الأولى "البيروقراطية"، والأدوات التي تساعد على التعرف على القيم التي تحتويها المؤسسة والبدء بالتعبئة، وأدوات تساعد على استثمار الطاقات والإمكانات المتوفرة لدى العاملين في المؤسسة الى أقصى حد وإحالة بيئة العمل الى بيئة إبداعية ابتكارية.

واستعرض الطويسي قصة نجاح كولند وإنقاذه لمسيرة وسمعة شركة "أوتيكون العالمية المختصة في صناعة سماعات الأذن"، كمثال حي على ما قدمه في كتابه من إجراءات، حيث إنَّ هذه الشركة التي تأسست في العام 1917 كشركة محلية صغيرة، أصبحت بعد فترة شركة عالمية تمتلك (30%) من حصة السوق العالمي، وفي العام 1987 أي بعد مرور سبعين عاما على تأسيسها، أصيبت بالصمم والعمى المؤسسي الذي تمثل برضى مديريها عن مستوى المبيعات في السوق العالمي والاعتماد الكلي على سياسة المنافسة من خلال السعر الأقل وهو تقليد راسخ، وعدم اكتراثهم بالتغذية الراجعة من مندوبي المبيعات حول عدم رضى الزبائن عن منتجاتهم وظهور شركات منافسة بقوة، إلى أن بدأت هذه الشركة بالانهيار في العام 1987.

لكن الشركة كانت كما يرى الطويسي، محظوظة في أن مجلس الإدارة الجديد بقيادة (كولند) الذي أدرك الأمر في الوقت المناسب بتغيير الإدارات من مديرين إلى قياديين، وطبَّقَ نظرياته فيها، فاستعادت الشركة قوتها في العام 1995 وعادت إلى دورة حياة ثانية بعد أن حاربت البيروقراطية في أجهزتها لمدة ثمانية أعوام.

ولارز كولند من مواليد الدنمارك العام 1947، وهو أكاديمي متخصص في الرياضيات تحول لاحقاً إلى عالم اللغويات والسياسة ثم الأعمال، ومؤسس المجلس الدنماركي للقدرات العام 1999، وغيرها من المؤسسات، وشارك في عضوية مؤسسات عالمية شهيرة.

وكان التلهوني أكد في مستهل اللقاء أنَّ استضافة أكاديمي وأديب وقارئ متمرس مثل الدكتور الطويسي في المكتبة الوطنية، يهدفُ إلى تشجيع وتجذير وإبراز التقدير للذين يظهرون شغفهم بالقراءة وعشقهم للكتاب، مؤكدا أن تلك المهارة والهواية تصل إلى حالة تسمى "إدمان القراءة Book Worm".

وأشاد التلهوني بما قدمة الطويسي من إضافات مشهود لها في المشهد الثقافي الأردني عندما كان وزيراً للثقافة، وأبرزها مشروع "مكتبة الأسرة"، وغيرها من البرامج التي انطلقت للمرة الأولى في المملكة بتوجيهات سامية من جلالة الملكة رانيا العبدالله.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018