"لاعب النرد" يدوزن عشقه للحياة على أوتار ثلاثي جبران

درويش يفتتح احتفالات رام الله في مئوية بلديتها

 

محمد جميل خضر

رام الله- وسط ترحيب أكثر من 1000 عاشق لشعره، بتسمية واحد من شوارع رام الله المحتفلة بمئويتها باسمه، قرأ الشاعر العربي محمود درويش عددا من قصائده القديمة والجديدة.

وخص درويش جمهور الأمسية الاحتفالية التي أقيمت له ولثلاثي جبران مساء أول من أمس في قصر ثقافة مدينة رام الله وحضرها رئيس الحكومة الفلسطينية سلام فياض، بقصيدته الجديدة "لاعب النرد" وعددا من القصائد الجديدة الأخرى.

وذهب صاحب "ورد أقل" بعيدا في قراءة المشهد الفلسطيني المعاصر، وأمعن في افتتاحية احتفالية كبرى تتواصل تحت عنوان "وين عَ رام الله" حتى نهاية الشهر الحالي، في معاينة فسيفسائه المهشمة.

ومنذ صعوده منصة الشعر، وبعد جلوسه حتى انتهاء ثلاثي جبران من تقديم مقطوعتهم الأولى على أعوادهم، واصل صاحب أرى ما أريد رسم صورة الأسى بريشة البوح.

وكعادته منذ زمن استهل بـ:

"هناك عند منحدرات التلال

أمام الغروب

وفوهة الوقت

قرب بساتين مقطوعة الظل

نفعل ما يفعل السجناء

وما يفعل العاطلون عن العمل

نربي الأمل".

وأتبع القصيدة بأخرى في الأجواء نفسها

"ها هنا بين شظايا الشيء واللاشيء

نحيا في ضواحي الأبدية

نلعب الشطرنج أحيانا ولا نأبه بالأقدار خلف الباب

ما زلنا هنا نبني من الأنقاض أبراج حمام قمرية

نعرف الماضي ولا نمضي ولا نقضي ليالي الصيف

بحثا عن فروسيات أمس الذهبية

نحن من نحنو لا نسأل من نحن

فما زلنا هنا نرتق ثوب الأبدية".

وعرّج درويش في الأمسية التي تُرك فضاء قاعتها الخارجية لغير الحاصلين على دعوة للحضور، يتابعون الحفل والشعر عبر شاشة كبيرة، على أبناء الثرى والنار، وترك في نهاية النفق ضوءا شفيفا، في البرزخ الواقع بين "نصف حياة ونصف ممات".

وعن الخلود والهوية وعن "وطنيون كما الزيتون" دارت قصائد صاحب "سرير الغريبة".

وعن المتحقق في الضياع وفي السراب سأل الصديق الذي لا ينتظر الجواب، وعنه قرأ درويش وعن:

"السماء نظيفة" وعن كيف "يقف الزمان كأنه يقف الهنيهة بين منزلتين" وعن "الآن البلاد جميلة وخفيفة".

وناوب درويش بين مترادفات تجربته الأخيرة التي شكل فيها مدى وبعدا كالطريق الساحلي ذاكرة خاصة به وبعدا دراماتيكيا ضاربا في جذور قصائده متعددة الأبعاد والدلالات. وهو ما فجره على مدى واسع في واحدة من قصائده الجديدة "على محطة قطارٍ سقط عن الخريطة" التي كتبها حول هوامش الذكرى الستين لنكبة فلسطين على طريقته، وفيها يقيم صاحب "الجدارية" احتفاله الخاص في ساحة ذاكرته الفسيحة:

"عشبٌ هواءٌ يابسٌ، شوك، وصبّارٌ على سلك الحديد

عَدمٌ هناك موثّقٌ، ومُطوَّقٌ بنقيضهِ.

ويمامتان تحلقان على سقيفة غرفة مهجورة عند المحطة

والمحطة مثل وشمٍ ذاب في جسد المكان".

ومحطة القطار هنا هي مساحةٌ تمتد في ظلال خيالات الشاعر، مساحة يملؤها الهواء اليابس والشوك والصبار.

وهي وشما ذائبا في المكان، لا يكشفها إلا الشاعر السابح في العتمة.

"هناك أيضا سروتان نحيلتان كإبرتين طويلتين

تطرّزان سحابة صفراء ليمونيّة

وهناك سائحةٌ تصوّر مشهدين:

الأوّلَ، الشمسَ التي افترشتْ سرير البحرِ

والثاني، خُلوّ المقعدِ الخشبيِّ من كيس المسافرِ

(يضجر الذهب السماويُّ المنافقُ من صلابتهِ)"

وحين يستفيق درويش من غيبوبة الأحلام الهاربة لا يجد سوى بقيته التي نجتْ بأعجوبة من واقعها:

"ألا تزال بقيتي تكفي، لينتصرَ الخياليُ الخفيف على فساد الواقعي؟"

وعن الأغاني الممهورة بالخاتم العربي يقول:

"كنا طيبين وسُذّجا قلنا:

البلادُ بلادُنا، قلبُ الخريطة، لن تُصاب بأيِّ داءٍ خارجي

والسماءُ كريمةٌ معنا

حاضرنا يُسامرنا

وماضينا يُسلينا

اذا احتجتم إليّ رجعتُ. كنا طيبين وحالمين

فلم نر الغدَ يسرق الماضي.. طريدَتَهُ، ويرحلُ".

ومن باب الكوميديا السوداء يخرجُ الشاعرُ للواقفين تحت الشمس بانتظار ما يقوله لهم حول سر البحر والبر والقوارب، وليتنبأ بما يحمله الهواءُ  وبما يحبلُ به الغد:

"هنا انكسر الزمان

وقفتُ في الستين من جرحي

لا لأنتظر القطاَرَ

بل لأحفظ ساحل الزيتون والليمون

في تاريخ خارطتي".

ولا ينسى صاحب "مديح الظل العالي"، وهو يقف على أطلال وشم محطات قطاره، أن يشير إلى الواقع المرير المتمثل في امرأتين أسطورتين، هما في الحقيقة امرأة واحدة تحرسان محطات الشاعر، وتدعيان ملكية القطار فهل هما طرفا برج الحراسة وقسما المجتمع الإسرائيلي اليسار واليمين؟:

"واحدةُ تُغازلني

وأخرى تُقاتلني".

ومواصلا رسم لوحة التشظّي، يخرج درويش من ذاته ومن جمهوره المحيط بعربات قطاره المفقود فوق قضيبين يحرسهما غرباء عن البحر والشجر والأقحوان، ويعيدنا مرغمين إلى حقيقتنا وحقيقته، حين نغدو فقط مجرد صور كامتداد لطبيعة المكان ليس إلا:

"وتمر سائحةٌ وتسألني:

أيمكن أن أصورك احتراما للحقيقة؟

قلتُ ما المعنى؟

فقالت لي :

أيمكن أن أصورك امتدادا للطبيعة؟

هكذا يغدو الشاعر وجمهوره في نظر الآخرين، براويز صور لإكمال ديكور المكان، قبل أن يُشعل كلماتِهِ، ويصمتُ وهو يرى الحطام مخاطبا نصفه الباقي:

"لا تنتظر أحدا سواك هنا

هنا سقط القطار عن الخريطة

عند منتصف الطريق الساحلي

وشبّتْ النيرانُ في قلب الخريطة".

ووسط مختلف أشكال الضياع وخفوت صوت الأمل، يطلع صوت الشاعر صادحا بما يمكن أن يمثل تمسكا ولو رمزيا ببقية أفق ساطع عند نهاية النفق الطويل:

"ولكني أقول: وكل ما في الأمر أني

لا أصدّق غير حدسي

لم أزل حيا وحيا وحيا".

وواصل درويش في قصيدته التالية "سيناريو جاهز" وصف طقوس الكوميديا السوداء، ويبني فيها حوارين؛ واحد مع جمهوره المفترض وآخر مع (الآخر) العدو الذي سقط معه (فرضيا) كما يذهب السيناريو في حفرة واحدة قادمين كليهما من الجو (السماء).

وأقام صاحب "عابرون في كلام عابر" عبر السيناريو(الطريف مجازا)، حوارا حول المعنى والجدوى، وفتح في القصيدة قوسا ممتدا على مفردات الدعوى وتفاصيل الخلاف الأزلي:

"قلت ما الفائدةْ

هرب الوقت منا

وشذ المصير عن القاعدةْ

قاتل وقتيل يموتان في

حفرة واحدةْ".

وبما يشبه السيرة الذاتية تستشرف الماضي والحاضر والمستقبل بنفس فلسفي، ختم درويش قصائد الأمسية التي صاحب العود بعضها بآخر ما كتب "لاعب النرد" التي يتخذ فيها صاحب "لا تعتذر عما فعلت" قناع "لاعب النرد" الذي "يربح حينا ويخسر حينا" وهو مثل جميع الناس أو "أقل قليلا".

ويتناول درويش في "لاعب النرد" الاحتمالات العديدة التي يمكن أن تأخذ المرء إلى أقدار جديدة، فتميته أو تحييه:

"مَنْ أَنا لأقول لكمْ

ما أَقول لكمْ؟

وأَنا لم أكُنْ حجراً صَقَلَتْهُ المياهُ

فأصبح وجهاً

ولا قَصَباً ثقَبتْهُ الرياحُ

فأصبح ناياً ...

أَنا لاعب النَرْدِ،

أَربح حيناً وأَخسر حيناً

أَنا مثلكمْ

أَو أَقلُّ قليلاً ...

وُلدتُ إلى جانب البئرِ

والشجراتِ الثلاثِ الوحيدات كالراهباتْ".

ودرويش الحي الوحيد -ربما- الذي اختارته بلدية رام الله ليحمل واحد من ميادينها اسمه، وهو إلى ذلك الوحيد -ربما أيضا- المختار من بين الرموز الثقافية إلى جانب عدد كبير من الرموز النضالية والسياسية الفلسطينية: ياسر عرفات وحيدر عبدالشافي وجورج حبش وأبو علي مصطفى إضافة لمؤسس رام الله الحديثة قبل مائة عام راشد الحدادين.

وتشتمل احتفالية المئوية "وين عَ رام الله" كما أفاد رئيس البلدية بالوكالة محمود عبدالله الذي اعتذر في بداية الأمسية عن عدم حضور رئيسة البلدية جانيت خليل المسافرة للولايات المتحدة للمشاركة في مؤتمر حول رام الله أيضا هناك، على أمسيات ثقافية وفنية وعروض مسرحية وفعاليات خاصة بالأطفال ومهرجان تسوق كبير.

وتململ الجمهور كثيرا بسبب إطالة رئيس البلدية بالوكالة ومحافظ رام الله والبيرة سعيد أبو علي في كلمات التقديم. ولم يكتف الجمهور بالتململ، بل واصل تصفيق استعجال لكليهما من دون جدوى.

ويتكون ثلاثي جبران من الأشقاء سمير ووسام وعدنان جبران أبناء أشهر صانع أعواد في فلسطين. وبعدما جال سمير جبران وبرز على خشبات العرض الدولية لعدة سنوات، ضم إليه أخاه وسام في عام 2002، ليلتحق بهما عدنان، الأخ الأصغر، في عام 2004.

وفي المساحة الملتبسة بين السياسة والفن، يحاول الأشقاء الثلاثة شق طريقهم نحو العالمية بموسيقى مختلفة وعبر العزف على آلة واحدة: العود.

وحقق الثلاثي خلال الأعوام القليلة الماضية حضورا لافتا على الصعيد المحلي والعربي والدولي، وانتزعوا إعجاب الناس بما يقدمونه من مقطوعات من تأليفهم وبما يتقاطعون فيه مع آلام شعبهم.

"لاعب النرد" قصيدة جديدة لمحمود درويش

وفي ما يلي النص الكامل لقصيدة درويش الجديدة "لاعب النرد":

"مَنْ أَنا لأقول لكمْ

ما أَقول لكمْ؟

وأَنا لم أكُنْ حجراً صَقَلَتْهُ المياهُ

فأصبح وجهاً

ولا قَصَباً ثقَبتْهُ الرياحُ

فأصبح ناياً ...

أَنا لاعب النَرْدِ،

أَربح حيناً وأَخسر حيناً

أَنا مثلكمْ

أَو أَقلُّ قليلاً...

وُلدتُ إلى جانب البئرِ

والشجراتِ الثلاثِ الوحيدات كالراهباتْ

وُلدتُ بلا زَفّةٍ وبلا قابلةْ

وسُمِّيتُ باسمي مُصَادَفَةً

وانتميتُ إلى عائلةْ

مصادفَةً،

ووَرِثْتُ ملامحها والصفاتْ

وأَمراضها:

أَولاً - خَلَلاً في شرايينها

وضغطَ دمٍ مرتفعْ

ثانياً - خجلاً في مخاطبة الأمِّ والأَبِ

والجدَّة - الشجرةْ

ثالثاً - أَملاً في الشفاء من الانفلونزا

بفنجان بابونج ٍساخن ٍ

رابعاً - كسلاً في الحديث عن الظبي والقُبَّرة

خامساً - مللاً في ليالي الشتاءْ

سادساً - فشلاً فادحاً في الغناءْ...

ليس لي أَيُّ دورٍ بما كنتُ

كانت مصادفةً أَن أكونْ

ذَكَراً...

ومصادفةً أَن أَرى قمراً

شاحباً مثل ليمونة يَتحرَّشُ بالساهرات

ولم أَجتهد

كي أَجدْ

شامةً في أَشدّ مواضع جسميَ سِرِّيةً!

كان يمكن أن لا أكونْ

كان يمكن أن لا يكون أَبي

قد تزوَّج أُمي مصادفةً

أَو أكونْ

مثل أُختي التي صرخت ثم ماتت

ولم تنتبه

إلى أَنها وُلدت ساعةً واحدةْ

ولم تعرف الوالدة ْ...

أَو: كَبَيْض حَمَامٍ تكسَّرَ

قبل انبلاج فِراخ الحمام من الكِلْسِ

كانت مصادفة أَن أكون

أنا الحيّ في حادث الباصِ

حيث تأخَّرْتُ عن رحلتي المدرسيّة ْ

لأني نسيتُ الوجود وأَحواله

عندما كنت أَقرأ في الليل قصَّةَ حُبٍّ

تَقمَّصْتُ دور المؤلف فيها

ودورَ الحبيب - الضحيَّة ْ

فكنتُ شهيد الهوى في الروايةِ

والحيَّ في حادث السيرِ

لا دور لي في المزاح مع البحرِ

لكنني وَلَدٌ طائشٌ

من هُواة التسكّع في جاذبيّة ماءٍ

ينادي: تعال إليّْ !

ولا دور لي في النجاة من البحرِ

أَنْقَذَني نورسٌ آدميٌّ

رأي الموج يصطادني ويشلُّ يديّْ

كان يمكن أَلاَّ أكون مُصاباً

بجنِّ المُعَلَّقة الجاهليّةِ

لو أَن بوَّابة الدار كانت شماليّةً

لا تطلُّ على البحرِ

لو أَن دوريّةَ الجيش لم تر نار القرى

تخبز الليلَ

لو أَن خمسة عشر شهيداً

أَعادوا بناء المتاريسِ

لو أَن ذاك المكان الزراعيَّ لم ينكسرْ

رُبَّما صرتُ زيتونةً

أو مُعَلِّم جغرافيا

أو خبيراً بمملكة النمل

أو حارساً للصدى !

مَنْ أنا لأقول لكم

ما أقول لكم

عند باب الكنيسةْ

ولستُ سوى رمية النرد

ما بين مُفْتَرِسٍ وفريسةْ

ربحت مزيداً من الصحو

لا لأكون سعيداً بليلتيَ المقمرةْ

بل لكي أَشهد المجزرةْ

نجوتُ مصادفةً: كُنْتُ أَصغرَ من هَدَف عسكريّ

وأكبرَ من نحلة تتنقل بين زهور السياجْ

وخفتُ كثيراً على إخوتي وأَبي

وخفتُ على زَمَن من زجاجْ

وخفتُ على قطتي وعلى أَرنبي

وعلى قمر ساحر فوق مئذنة المسجد العاليةْ

وخفت على عِنَبِ الداليةْ

يتدلّي كأثداء كلبتنا...

ومشى الخوفُ بي ومشيت بهِ

حافياً، ناسياً ذكرياتي الصغيرة عما أُريدُ

من الغد - لا وقت للغد -

أَمشي / أهرولُ / أركضُ / أصعدُ / أنزلُ / أصرخُ / أَنبحُ / أعوي / أنادي / أولولُ / أُسرعُ / أُبطئ / أهوي / أخفُّ / أجفُّ / أسيرُ / أطيرُ / أرى / لا أرى / أتعثَّرُ / أَصفرُّ / أخضرُّ / أزرقُّ / أنشقُّ / أجهشُ / أعطشُ / أتعبُ / أسغَبُ / أسقطُ / أنهضُ / أركضُ / أنسى / أرى / لا أرى / أتذكَّرُ / أَسمعُ / أُبصرُ / أهذي / أُهَلْوِس / أهمسُ / أصرخُ / لا أستطيع / أَئنُّ / أُجنّ / أَضلّ / أقلُّ / وأكثرُ / أسقط / أعلو / وأهبط / أُدْمَى / ويغمي عليّ /

ومن حسن حظّيَ أن الذئاب اختفت من هناك

مُصَادفةً، أو هروباً من الجيش ِ

ويقول:

مَنْ أنا؟

كان يمكن أن لا يحالفني الوحيُ

والوحي حظُّ الوحيدين

إنَّ القصيدة رَمْيَةُ نَرْدٍ

على رُقْعَةٍ من ظلامْ

تشعُّ، وقد لا تشعُّ

فيهوي الكلامْ

كريش على الرملِ

لا دَوْرَ لي في القصيدة

غيرُ امتثالي لإيقاعها:

حركاتِ الأحاسيس حسّاً يعدِّل حساً

وحَدْساً يُنَزِّلُ معنى

وغيبوبة في صدى الكلمات

وصورة نفسي التي انتقلت

من أَنايَ إلي غيرها

واعتمادي على نَفَسِي

وحنيني إلي النبعِ

لا دور لي في القصيدة إلاَّ

إذا انقطع الوحيُ

والوحيُ حظُّ المهارة إذ تجتهدْ

كان يمكن ألاَّ أُحبّ الفتاة التي

سألتني: كمِ الساعةُ الآنَ؟

لو لم أَكن في طريقي إلى السينما

كان يمكن ألاَّ تكون خلاسيّةً مثلما

هي، أو خاطراً غامقاً مبهما

هكذا تولد الكلماتُ. أُدرِّبُ قلبي

على الحب كي يَسَعَ الورد والشوكَ

صوفيَّةٌ مفرداتي. وحسِّيَّةٌ رغباتي

ولستُ أنا مَنْ أنا الآن إلاَّ

إذا التقتِ الاثنتان:

أَنا، وأَنا الأنثويَّةُ

يا حُبّ ! ما أَنت؟ كم أنتَ أنتَ

ولا أنتَ . يا حبّ ! هُبَّ علينا

عواصفَ رعديّةً كي نصير إلى ما تحبّ

لنا من حلول السماويِّ في الجسديّ

وذُبْ في مصبّ يفيض من الجانبين

فأنت - وإن كنت تظهر أَو تَتَبطَّنُ -

لا شكل لك

ونحن نحبك حين نحبُّ مصادفةً

أَنت حظّ المساكين /

من سوء حظّيَ أَني نجوت مراراً

من الموت حبّاً

ومن حُسْن حظّي أنيَ ما زلت هشاً

لأدخل في التجربةْ!

يقول المحبُّ المجرِّبُ في سرِّه:

هو الحبُّ كذبتنا الصادقةْ

فتسمعه العاشقةْ

وتقول: هو الحبّ، يأتي ويذهبُ

كالبرق والصاعقة

للحياة أقول: على مهلك، انتظريني

إلى أن تجفُّ الثُمَالَةُ في قَدَحي ...

في الحديقة وردٌ مشاع، ولا يستطيع الهواءُ

الفكاكَ من الوردةِ /

انتظريني لئلاَّ تفرَّ العنادلُ مِنِّي

فاُخطئ في اللحنِ /

في الساحة المنشدون يَشُدُّون أوتار آلاتهمْ

لنشيد الوداع. على مَهْلِكِ اختصريني

لئلاَّ يطول النشيد، فينقطع النبرُ بين المطالع،

وَهْيَ ثنائيَّةٌ والختامِ الأُحاديّ:

تحيا الحياة!".

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018