الأرض تطوي "وسيط الثقافات" كرومي بعد أن نقل المسرح العربي الى العالمية

أصابته أزمة قلبية في العرض الثاني لـ" مسافر ليل في برلين"

 

كوكب حناحنة

 

عمان- ودعت الحركة المسرحية العربية فقيدها العراقي عوني كرومي، الذي وفاته المنية في  في برلين اثر أزمة قلبية أصابته الخميس الماضي بعد رفع الستارة عن العرض الثاني  لمسرحيته التي أخرجها بالألمانية وجاءت بعنوان "مسافر ليل" للكاتب صلاح عبد الصبور.

واختار الراحل عوني كرومي المولود في نينوى في الموصل شمال العراقي في العام 1945 في وقت مبكر طريق المسرح لإيمانه بأن نشاط اجتماعي وسياسي.

درس كرومي الملقب " بوسيط الثقافات" في مركز برشت للمسرح في برلين والفن في معهد الفنون وأكاديمية الفنون في بغداد- قسم الاخراج في العام 1969، وسافر الى المانيا وحصل على الماجستير ثم الدكتوراه في العلوم المسرحية من جامعة همبولت في برلين العام 1979.

وعندما عاد إلى العراق راح  يساهم في رفد المسرح العراقي محاولا التجديد فيه، فقدم الكثير من روائع المسرح العالمي بعد أن اسقط عليها دلالات معاصرة.

ترك كرومي وراءه 70 عملا مسرحيا  منها: فطور الساعة الثامنة، في منطقة الخطر، كاليكولا، غاليلو غاليليه، مأساة تموز، القائل نعم لا، تداخلات الفرح والحزن، فوق رصيف الرفض.

وفي ارشيف كرومي الكثير من الجوائز وشهادات التقدير التي نالها خلال مشاركته العربية والعالمية.

 ولم يقف كرومي عند حدود الإخراج والعمل على خشبة المسرح، بل انه وضع مؤلفات نظرية تعتبر امتدادا لتجربته الاخراجية المسرحية منها: وظيفة المخرج في المسرح، اطروحات في المسرح العراقي القديم، غروتوفسكي والمسرح الفقير، الاغتراب في المسرح العربي، فن التمثيل.

وحاول كرومي أن ينقل المسرح العربي إلى العالمية، معتمدا على ذلك في نقل العديد من العروض العربية المهمة إلى خشبات المسارح الألمانية والدول المجاورة لها، كما ونقل المسرح الألماني إلى الدول العربية من خلال إشراك كبار المسرحيين الألمان في المهرجانات المسرحية العربية المختلفة.

وفي عمان محطة الراحل كرومي في التسعينيات عندما عمل مدرسا للإخراج في كلية الفنون في جامعة اليرموك ودعه عشاق مسرحه بطريقتهم، مؤكدين  بأنهم سيتذكرون مسيرته الإبداعية لينام في مرقده قرير العين.

ويؤكد المخرج حاتم السيد الى ان رحيل المسرحي كرومي خسارة كبيرة للحركة المسرحية العربية.

ويشيد بفعله على صعيد الحراك المسرحي العربي، اذ يقول "خرج جيل من المسرحيين في كلية الفنون في بغداد وفي كلية الفنون في جامعة اليرموك، وطلابه لهم اسهاماتهم البارزة في الحركة المسرحية الأردنية".

ويلفت السيد إلى أن كرومي حاول وهو مقيم في ألمانيا أن يحمل المسرح العربي إلى العالمية، من خلال اختياره الكثير من المسرحيات العربية لتعرض في المانيا وبعض الدول المجاورة لها، "فضلا عن دعوته لمسرحيين المان للمشاركة في المهرجانات العربية".

وأوضح  السيد ان اول لقاء جمعه بعوني كرومي كان من خلال عمله"الانسان الطيب" الذي عرض في بغداد العام 1985.

ويزيد"ذهلت ولجنة التحكيم بهذا العمل الذي حصد أعلى الدرجات كأفضل عمل مسرحي متكامل، وتوالت صداقتنا ومعرفتنا فيه من خلال اعماله"ترنيمة الكرسي الهزاز"، ومسرحيات كثيرة لا حصر لها".

من جانبه قال نقيب الفنانين المخرج شاهر الحديد"كان الراحل كرومي  رحمه الله من مؤسسي المسرح العراقي، وله بصمات واضحة فيه لا يستطيع ان ينكرها أحد، ومثل العراق في الكثير من المحافل العربية والدولية من خلال مسرحياته التي حظيت بالإعجاب".

ويضيف"قام بتدريس عدد كبير من فنانينا الذين هم الآن اعضاء في النقابة، ولهم اسهامات بارزة في الساحة المسرحية الأردنية، واشترك في أعمال مسرحية عديدة أثناء فترة تدريسه في جامعة اليرموك، وبرحيله خسرت الحركة المسرحية العربية احد اعمدتها".

 وأكد الناقد المسرحي العراقي علي بدر أن كرومي واحدا من أهم المسرحيين العرب. فهو يصوغ ومنذ  بداياته المبكرة نظرية متماسكة عن المسرح العربي، ليخرج فيها ما هو عالمي لما هو محلي، وما هو واقعي بما هو فنتازي.

ويبين بدر أن كرومي استطاع أن يوصل صوت المسرح العربي إلى العالم حين عرض مسرحياته على اكبر المسارح الألمانية معتمدا على القضايا العربية المعاشة الممتزجة باللغة الكونية والأزمة الوجودية، وطارحا مفهوم الحوار وأهميته بين الثقافات والشعوب والحضارات عن طريق خشبة المسرح.

ويشير  بدر إلى أن كرومي صاحب مشاريع ثقافية ومسرحية كبيرة "من مسرح الستين كرسي في بغداد إلى مشروع درب الحرير في بيروت وعمان، الذي عرض فيه مسرحيات صديقه المسرحي العالمي ارلنك ستلسن.

وبحسب  الناقد بدر" بوفاة كرومي خسر المسرح العربي واحدا من أهم أقطابه".

من جانبها تقول المخرجة مجد القصص "نودع عوني كرومي، هذا المبدع الذي ترك أثرا كبيرا في الساحة العراقية بداية وفي العالم العربي، وانتهاء برحلته في الأردن حيث عمل في التسعينيات من القرن الماضي كأستاذ في كلية الفنون في جامعة اليرموك وكان له الفضل في تخريج مجموعة من مبدعينا الاردننين".

وتزيد" ترك كرومي لنا موروثا مكتوبا بعدد ستة كتب مسرحية إضافة إلى الأبحاث الكثيرة والمتوفرة في الجامعات الأردنية والتي  تشكل مصادر معرفية لطلاب المسرح الآن".

وعلى صعيد الاخراج تشير القصص" هومبدع مسرحي، وكان لنا  في الاردن نصيب بان يقوم بإخراج مجموعة من الأعمال مع طلابه في اليرموك من أهمها"الطائر الأزرق".

وتتابع" كان لي نصيب أن اعمل معه في العام 1992 من خلال مسرحية "القشة" للكاتب العراقي فاروق محمد، وهي أول مونودراما نسائية في الأردن، و قمنا بعرضها بما يزيد عن 30 عرضا في عمان، كما وعرضت في فرنسا في المعهد العالمي العربي باريس، وكتب عن العمل ما يزيد عن 130 مقالا في معظم صحف الوطن العربي، اضافة الى انه احتل الصفحة الاولى في صحيفة نيويورك تايمز الامريكية.

وتزيد "تعلمت من عوني كرومي الكثير على صعيد التمثيل والاخراج وكان يقول لي"الفنان منجم كلما حفر في داخله كلما خرجت ما ساته"، وتعلمت منه ان استخدم خيالي وان لا اقمعه، وتعلمت منه كمخرجة ان لا اخاف من أي فضاء مسرحي وان اختبر عملي مع الجمهور".

وتختم "اقول وداعا لاستاذنا  فليرقد بسلام لان تلاميذه  ما زالوا يسيرون على دربه.

وينوه المخرج عبدالكريم الجراح إلى أن علاقته بمدرسه عوني كرومي تجاوزت علاقة الطالب بأستاذه.

ويضيف"حتى أن علاقتنا امتدت إلى خارج غرف المحاضرات، فاشتغلت معه عمل"الطائر الأزرق"، واستمريت في العمل معه حتى بعد تخرجي لحبي الشديد للطريقة التي يشتغل عليها".

واعتبرالجراح رحيله خسارة لكل المسرحيين العرب وهو من العلامات الفارقة للمسرح العربي نعزي المسرحيين العراقيين ونعزي انفسنا.

وتجدر الاشارة إلى أن الراحل عوني كرومي تتلمذ على يديه العديد من المخرجين العرب الذين  نهجوا خطى إبداعاته معتمدين أسلوبه الإخراجي في التعامل مع الممثل والجمهور وخشبة المسرح.

من جهته قال المسرحي حكيم حرب ان الراحل كرومي من الابطال التراجيديين بقي قابضا على جمر الابداع حتى الرمق الاخير رغم تحذيرات الاطباء له ورغم دخوله المستشفى عدة مرات لكنه ظل يعلن ان المسرح هو قراره الاول والاخير وانه عشقه وصومعته ووطنه الذي حمله معه في قلقه وترحاله...

ويضيف حرب كان دائما مع العمل والعطاء والتجريب رغم مرور الزمن وتغير محطات اقامته وتعبه ومعاناته الا انه عاش محافظا في داخله على روح الطفل المشاكس الذي يميل دائما للمغامرة والبحث عن مزيد من حالات الفرح واللعب والدهشة معتبرا ان المسرح لعبته الأكثر سحرا وجمالا محاولا ان يأخذ العالم في روحه كنوع من التأكيد العميق على عشقه الصوفي المتفاني للحياة.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018