كتاب جديد يحذر من تلبيس المتن الشعري منجزات الابحاث الغربية

المتاهات والتلاشي في النقد وفي الشعر

 

زياد العناني

   عمان- يرى الناقد محمد لطفي اليوسفي في كتابه "المتاهات والتلاشي في النقد والشعر" الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت ان الغاية من كتاب المتاهات والتلاشي هي الاسهام في النفاذ الى دواخل النص الشعري المعاصر ورصد القوانين التي تديره وتتبنى شعريته لافتاً الى ان هذه القوانين مكتمة على نفسها في صميم ذلك النص ذاته متسترة في اقاصين، لذلك تستعصي على التحديد والضبط ويشير اليوسفي الى انه ولما كان النص لا يمنح من شعريته الا بالقدر الذي يحجب فإنه من الطبيعي ان تظل تلك القوانين مقفلة على نفسها وانه من الطبيعي ايضاً ان يتطلب الكشف عنها تسليماً بأن النص ليس شيئاً مواتاً بل هو كيان زاخر بالحركة طافح بالهدير والاندفاعات اي انه ليس مجرد "وعاء" يحمل معاني تمنح نفسها للقراء مهما كانت عادية ومتعجلة بل انه هو الذي يتبنى معانيه ويصقلها من صميمه ومن حركات كلماته وصوره ورموزه يبني دلالاته وايقاعه وشعريته.

    ويعتبر اليوسفي وجود الكلمات في النص ليس مجرد وسائل يستخدمها الشاعر كما اتفق وليست مجرد خواء يسكنه معنى محدداً معلوماً وانها ايضاً ليست مجرد جسد (لفظ) تسكنه الروح (المعنى) ذلك ان المعنى انما ينتج ويكون فيما يتم انتاج الكلمات وتشكل النص لذلك تكون دلالات النص الشعري متشحة بغلالة من الغموض بل انها كثيراً ما تكون متسربلة بنوع من الالتباس الذي يكاد يخرج بالكلام الى التعميم والابهام لان معاني النص ليست ظاهر اللفظ وسطحه ليس غوره او انه عبارة عن حشود من الابعاد المتناوبة بعضها يطفح به السطح فيما يظل البعض الآخر رابضاً في العمق متستراً يستعصي على المسك وينتظر الكشف تبعاً لذلك لتصبح قراءة النص بالاستناد الى منهج مسبق معلوم او نظرية محددة مسقطة عليه من خارجه امراً في غاية الخطورة لان القراءة في هذا الحال ستمارس على النص نوعاً من القهر والاقصاء لا سيما حين يبحث الدارس فيه عما يفي بحاجات ذلك المنهج المسبق وما يستجيب لرغبات تلك النظرية سواء كانت تلك النظرية مستمدة من نظرية العرب القدامى في الشعر والشعرية وما قرروه بالنظر في النص القديم او وافد من المناهج المبتدعة في الثقافات الغربية اي تلك المناهج التي بنيت على النظر في النص الغربي.

    ويؤكد اليوسفي انه لا يمكن للقراءة ان تقي نفسها من هذا الدرب المتاه الا متى تمكنت من مقاربة المتن الشعري مقاربة نصية لتمثل البعض من منجزاته الفنية ومقترحاته الجمالية او البنائية بل تعني النظر فيه من زاوية تاريخية ونصية ذلك ان النص انما يتنزل في التاريخ ويفتتح مجراه مغذياً بما انجز قبله من نصوص وذلك لانه كيان تاريخي ومعنى كونه تاريخياً انه يمتلك سيرورة وله ايضاً مدى ولا بد من الاحاطة بتلك السيرورة وتمثل ذلك المدى ولو بالوقوف عند السمات الكبرى للمتن الشعري العربي ولتاريخه الخاص في مرحلة بحثه عن الدروب المؤدية الى العدول عن الشعر من جهة كونه صناعة وانشاء لاسترداده باعتباره كتابة وفعل وجود.

    كما يؤكد اليوسفي على ان للتحليل في مثل هذا الحال مضايقة ومزالقة مشيراً الى ان بعض الاجيال الشعرية المتعاقبة قد حرمت التقصي اللازم لجماليات ومنجزات نصوصها مبيناً ان دواوين وتجارب تتوالى والنقد يكاد يكون عديم الجدوى لانه كثيراً ما اختار بر الامان ودروب السلامة اذ بدل المغامرة في النصوص ومجاهلها ومضايقها كثيراً ما اكتفى باستدعاء تصورات بلاغية وطبقها على النصوص او طبق عليها مناهج مستحدثة في الثقافات الغربية مستنداً الى اخلاط واشتات من تصورات ألسنة او اسلوبية او سيميائية منتزعة من منابتها قهراً لافتاً الى ان الحال تلبيس المتن الشعري منجزات الابحاث الغربية الحديثة او مقررات النظرية البلاغية القديمة يمثل نوعاً من التحايل على اسئلة هذا المتن ومنجزاته وبذلك يصبح الحديث من البنيوية وما بعدها والتفكيكية وما تلاها حديثاً مقصوداً لذاته معتبراً ان هذا التوجه ليس خالياً من الدلالة وبالاسناد اليه كثيراً ما استمدت الخطابات النقدية سطوتها في الراهن الثقافي العربي وفي ذهن المتلقي الذي تنشد ابهاره وابهامه بأنها واقفة في المقدمة تشارك الاخر الغربي منجزاته غير ان تشكلها على ذلك النحو يظل يشير ولو ايماء الى انها جاءت تكرس الانتحال الثقافي فيما هي تواجه اسئلة الراهن الثقافي بالتحايل والمغالطة.

    ويرى اليوسفي ان هذه الخطابات تستمد خطرها من هنا لانها خطابات متعالية كثيراً يمضي بالكتابة الابداعية حتى يتمها وخرابها وتعمق غربتها وغربة الواقع في حبائلها بل انها خطابات ما فتئت تعمق الفجوة بين الواقع والنص وبين الخطاب الجمالي وقضايا الانسان العربي في هذه اللحظة التاريخية التي تشهد انحسار دور المثقف وانكفاء وعيه بقدراته ومهماته التاريخية على نحو فاجع.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018