د.مروان أبو حويج : ثقافة التنشئة الاسرية ترفع معدلات القلق عند الاناث

اختصاصي تربية وعلم نفس

 



     يرى اختصاصي التربية وعلم النفس د. مروان أبو حويج أن القلق والحزن والهم كلها مسميات لحالة نفسية واحدة, يشعر فيها الانسان بالأخطار التي تهدده من كل جانب, وفي الوقت نفسه يدرك عجزه عن مواجهة هذه الاخطار والمصائب , فتبدأ شخصيته بالاضطراب حيث يسيطرعليه التبرم والتغير والشك في كل شيء.


ويوضح أبو حويج ان الاستعداد للقلق عند البنات أعلى منه عند الاولاد, بسبب  الفروق الفطرية في تكوين الولد والبنت, والتي تفاعلت مع فروق ثقافية في تنشئة الاسرة لابنائها الذكور والاناث.


    وصدرت لأبو حويج العديد من الكتب التي تدرس في الجامعات والكليات الأردنية, وله مساهمات في دراسات ومشاريع وبحوث ميدانية تربوية ونفسية , ويعمل أبو حويج حاليا مسؤول الارشاد التربوي والمشرف الفني لتطوير مناهج اللغة العربية في الولايات المتحدة الأمريكية. الغد التقت أبو حويج وكان الحوارالتالي:


* ما هي طبيعة القلق؟


- إن الوصف الدقيق لحالة القلق بمفهومه النفسي الحديث, يعني "الشعور بالخوف الزائد من شر متوقع في المستقبل, والاحساس بالعجز عن مواجهة هذا الشر".ان القلق خبرة قديمة قدم الانسان, فمنذ ان وطأت قدماه الارض, وهو في شقاء وتعب من اجل رزقه, يصارع الشر في نفسه وفي الطبيعة, فأحيانا ينتصر عليه بايمانه بالله, وبالسيطرة على الطبيعة, فيزداد رزقه في الارض ويشعر بالامن, واحيانا اخرى ينتصر الشر عليه فيسيطر عليه الجشع والانانية, وتكثر الحروب والمنازعات وتتمرد عليه الطبيعة, وتكثر الكوارث فيقل رزقه ويشعر بالقلق, ويتوقع المصائب والشرور.


* كيف تبلورت نظرة الفلاسفة والعلماء الى القلق, وما هو مدى ارتباطه باضطرابات الشخصية؟


- تحدث الفلاسفة منذ القدم عن القلق والخوف, وهما كلمتان مرادفتان لمعنى واحد, وتطرق العلماء الى الحزن والهم, وهذه كلها مسميات لحالة نفسية واحدة, يشعر فيها الانسان بالاخطار تهدده من كل جانب, وفي الوقت نفسه يدرك عجزه عن مواجهة هذه الاخطار والمصائب, فتبدأ شخصيته بالاضطراب حيث يسيطر عليه التبرم والتغير والشك في كل شيء. لقد وجدت اول اشارة صريحة عن قلق الانسان عند قدماء المصريين منذ الاف سنة, فقد كتب احد الكهنة على جدار معبده عبارة تقول "الكوارث والحروب والانانية جعلت الانسان في ايامه عاجزا عن حماية نفسه, يتوقع ويشعر بالقلق", وفي هذا اشارة الى ان القلق خبرة قديمة, وليس خبرة خاصة بانسان العصر الحديث كما هو شائع في كتابات كثيرة, وذلك على الرغم من تفاوت نسبة انتشاره زيادة او نقصانا عبر العصور.


ولكن يبدو ان ما كتب عن القلق في العصور القديمة كان قليلا, الى ان جاء علماء المسلمين فشخصوا حالات نفسية كثيرة, وتحدثوا عن الخوف والحزن والهم, وربطوا بين الايمان بالله والصحة النفسية, وبين العصيان والاضطرابات النفسية, ويبدو ان الامام ابو حامد الغزالي سبق علماء الغرب في تعريف القلق, فقال (انه عبارة عن تألم القلب واحتراقه, بسبب توقع مكروه في المستقبل) وقسمه الى قسمين:الخوف العادي والخوف المفرط, وألف قاضي قرطبة على بن حزم الاندلسي في القرن الحادي عشر الميلادي اول كتاب له يتطرق فيه الى القلق بعنوان "كتاب الاخلاق والسير" ويتحدث فيه عن الهم وعلاقته بالاضطرابات النفسية .واشار ابن حزم الى ان الهم خبرة نفسية مؤلمة وسبب الهم من وجهة نظره الطمع والجشع, فيقول الطمع سبب كل هم, ونزاهة النفس طرد الهم.... ولولا الطمع ما ذل احد لأحد.


      وعالج ابن حزم الهم بالايمان بالله, وطلب من الانسان ان يعمل من اجل آخرته لا من اجل دنياه فقط, فيقوم بما امر به الله, وينتهي عما نهاه عنه لكي يتمتع بالصحة النفسية ويطرد الهم عن نفسه.


* ماذا عن النظرة الجديدة لعلماء النفس الى القلق؟


- جاء البحث في موضوع القلق متأخرا على ايدي علماء النفس الغربيين .ففي اوروبا قسم عالم النفس سورن كيركيجارد ( soren kurkegard 1844)  القلق الى نوعين قلق عادي: خوف عادي نشعر به جميعا من اشياء موضوعية مثل: خوف الطفل من والديه ومدرسيه, او حيوان مؤذي, وهذا الخوف مفيد للانسان يدفعه الى حماية نفسه, والمحافظة على حياته ويحركه الى التقدم والارتباط بالاخرين.


قلق عصابي:خوف زائد ليس له ما يبرره, يحس به بعض الناس, فيعوقهم عن التقدم ويجعلهم منغلقين على انفسهم, لفشلهم في تكوين علاقات ناضجة مع الاخرين, والمصابون بهذه الحالة يخافون من لا شيء او يخافون من الخوف نفسه, وتأثر كثير من الفلاسفة بنظرية (كيركيجارد) في القلق.


      وفي بداية القرن العشرين بدأت الدراسة العلمية للقلق على ايدي العديد من علماء النفس, ومن ابرز النظريات العلمية في القلق تلك التي ظهرت في نهاية الستينات والتي توصل اليها العالمان ر.كاتل  r,cattel و س.شبيلبرجر- c,spielberger وهي نظرية تميز بين جانبين من القلق:


الاول: جانب القلق الذي نشعر به في موقف التهديد, ويطلق عليه مسمى "حالة القلق" وهو حالة انفعالية مؤقتة, يشعر بها المرء في مواقف التهديد, فينشط جهازه العصبي اللاارادي, وتتوتر عضلاته ويستعد لمواجهة هذا التهديد, وتزول هذه الحالة بزوال مصدر التهديد, فيعود الانسان جسميا ونفسيا الى حالته العادية.


الثاني: جانب الاستعداد للقلق في مواقف التهديد المختلفة ويطلق عليه  "سمة القلق" وهو استعداد سلوكي مكتسب يظل كامنا عند الانسان حتى تنبهه وتنشطه منبهات داخلية وخارجية (التهديد) فيثير شعوره بحالة القلق, ويتوقف مستوى اثارة حالة القلق على مستوى سمة القلق, فالشخص صاحب "سمة القلق العالية" يدرك التهديد في مواقف كثيرة, ويستجيب له بحالة قلق زائدة لا تناسب مع ما في الموقف من خطر حقيقي, اما الشخص صاحب "سمة القلق المنخفضة" فيدرك التهديد في مواقف الخطر الموضوعي, ويستجيب له "بحالة قلق عادية" تناسب ما فيه من تهديد حقيقي.


      لقد افرزت هذه النظرية مقياسا علميا خاصا لقياس مستوى سمة القلق في الشخصية الانسانية, كما كانت مستندا علميا لدى العديد من الباحثين والدارسين لخصائص سمة القلق بشكل عام.


* ما هي الفروق بين الجنسين في الاستعداد للقلق؟


- اهتم علماء النفس بدراسة الفروق بين الذكور والاناث في الاستعداد للقلق, فأجروا دراسات عديدة على عينات من اعمار وثقافات مختلفة اشارت معظمها الى ان الاستعداد للقلق عند البنات اعلى منه عند الاولاد, ويعزى سبب ذلك الى فروق فطرية في تكوين الولد والبنت, تفاعلت مع فروق ثقافية في تنشئة الاسرة لابنائها الذكور والاناث, فتكوين البنت البيولوجي والفسيولوجي يجعلها اكثر استعدادا للقلق من الولد, ثم تأتي ظروف التنشئة الاجتماعية والظروف الثقافية لتدعم هذا الاستعداد وتنميه, فالاباء عادة يغرسون في بناتهم القلق والاتكالية وعدم الثقة بالنفس اكثر من الولد.


* ما هي الظروف البيئية التي تنمي الاستعداد للقلق؟


- اختلف العلماء حول دور البيئة والوراثة في القلق, فيرى بعضهم ان الانسان يرث الاستعداد للقلق من والديه, فهو يولد ومعه جميع خصائصه الذهنية والمزاجية والجسمية ولا تتغير بعد ذلك, ويرى اخرون ان الطفل يكتسب الاستعداد للقلق من البيئة, فالانسان ابن البيئة تؤثر في شخصيته ونضوجه الاجتماعي والانفعالي, الا ان البحث التجريبي لم يؤيد ايا من الرأيين, فقد اشارت الدراسات الى ان الاستعداد للقلق كأي استعداد في الشخصية له جانبان: - جانب فطري يكمن في الخصائص الفسيولوجية للكائن. وهناك جانب مكتسب يكتسبه الانسان من خبرات الطفولة القاسية.


ومن هذا التفاعل بين الجانبين ينمو الاستعداد للقلق.


      وبات جليا الان ان الاستعداد للقلق مكتسب اكثر منه موروث, حيث انتهى عالم النفس د. كاتل r.cattellمن دراساته حول هذا الموضوع الى تحديد دور البيئة بحوالي 65% ودور الوراثة بحوالي 35%, ما يعني ان الاستعداد العالي للقلق من صنع البيئة اكثر مما هو استعداد وراثي.


     واتفق علماء النفس على مواقف كثيرة في التنشئة يدرك الطفل فيها الخبرات المؤلمة, وتنمي عنده سمة القلق ومن هذه المواقف:الحرمان والاحباط, والعقاب القاسي, والتحقير والاهانة, وكثرة الانتقاد, والغيرة المنافسة غير المتكافئة, والاهمال والدلال الزائد, او اللين الزائد, والخلافات بين الوالدين وفقدان الوالدين او احدهما.


ان الصفة المشتركة بين هذه المواقف هي ادارك الطفل لعدم التقبل والنبذ, او شعوره بالتهديد وعدم الطمأنينة وهذا يعني ان الاستعداد العالي للقلق ينمو عند الطفل خلال اضطراب علاقته بوالديه اولا, ثم اضطراب علاقته بغيرهما من الراشدين المهمين في حياته داخل الاسرة وخارجها, اي ان الوالدين مسؤولان الى حد كبير عن تنمية الاستعداد للقلق عند ابنائهما في الطفولة والمراهقة والرشد.


*  ما هي سلبيات (سمة القلق العالية)على الشخصية الانسانية؟


- يعتبر وجود (سمة القلق العالية) عند الشخص دليلا على عدم الصحة النفسية, او على عدم التوافق السليم مع الذات ومع الاخرين, او دليلا على الاستعداد العالي للاضطرابات النفسية.


اما التفسير المنطقي (من وجهة نظرنا) لتلازم وجود سمات القلق بدرجات عالية عند مجموعة من الاشخاص هو تشابه المعطيات الوراثية والظروف البيئية التي عاشوا فيها فترة طفولتهم, والتي تظهر اعراضها في سمات القلق والعداوة والاتكالية والشعور بالذنب.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018