حرب ما بعد وقف إطلاق النار

منار الرشواني

فشلت الحرب على حركة حماس في قطاع غزة. تلك هي النتيجة الحتمية التي يؤكدها الآن بشكل قاطع استهداف الجيش الإسرائيلي، مباشرة وعن سابق إصرار، للمنشآت الإنسانية والمدنية الخالصة في القطاع، بدءاً من المستشفيات والمدارس، بما فيها مدارس "الأونروا" المتخذة ملاجئ معلنة للمدنيين الغزيين المهجرين من بيوتهم، وليس انتهاء بالبنية التحتية التي توفر الكهرباء والماء الذي وصفه أحد الصحفيين الغربيين بأنه كان غير صالح للاستهلاك الآدمي قبل العدوان، وصار الآن كارثة.
ذلك أنه لم يبق لإسرائيل بعد قرابة شهر من العدوان، وفشله، إلا رفع الكلفة البشرية والإنسانية على حركة حماس، والفصائل المقاومة معها، لقبول وقف إطلاق النار وفق الشروط الإسرائيلية.
لكن، إذ فشل الإجهاز على "حماس"، فإنه يكون قد انتهت معه فعلياً إمكانية تحقيق أحد أهم الأهداف الإسرائيلية المعلنة للعدوان وأهم شروط وقفه، وهو نزع سلاح المقاومة؛ وليكون البديل هو فرض منطقة إسرائيلية عازلة حول قطاع غزة بعمق ثلاثة كيلومترات، ستؤدي في النهاية، بحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، إلى قضم 44 % من مساحة القطاع. ولأجل ذلك، كما يروي من بيت حانون في غزة، الصحفي جيس روزينفيلد، في صحيفة "ديلي بيست" الأميركية، يقوم "الجيش الإسرائيلي، بشكل ممنهج وبلا هوادة، بتهجير السكان" في المناطق المستهدفة، مع دمار شامل للمنازل والأبنية في الشجاعية شرقاً وبيت حانون شمالاً. بل ويبدو، بعد مجزرة أمس، أن رفح على الحدود المصرية، قد أضيفت أو ستضاف إلى المنطقة العازلة! وانسجاماً مع هذا الهدف، يمكن فهم إصرار وزير الخارجية الأميركي جون كيري على أن الهدنة الإنسانية التي كان يفترض أن تبدأ أمس بالتزامن مع مفاوضات (غير مباشرة) بين فصائل المقاومة وإسرائيل، برعاية مصرية في القاهرة، إنما تقوم على أن "القوات (الإسرائيلية) على الأرض ستبقى في مكانها".
بالنتيجة، تبدو متماثلة في جوهرها الشروط الإسرائيلية لإنهاء العدوان، ولو جاء ذلك نتيجة هزيمة سياسية يفرضها صمود المقاومة. فالخياران المطروحان حتى الآن هما: استمرار الحصار السابق، إنما في ظل دمار إنساني وعمراني؛ أو استمرار الحصار مع تشديده أكثر بتقليص القطاع بمقدار النصف تقريباً وهو الذي يعد أصلاً البقعة الأكثر كثافة في العالم، وأيضاً مع دمار إنساني وعمراني. وهنا يأتي الأخطر بالنسبة للدول العربية.
فالعمليات العسكرية تسمح بالادعاء، ولو إلى حد ما، بأن ما يجري الآن هو حرب إسرائيلية خالصة على القطاع. لكن مع توقف إطلاق النار، ستغدو الحرب الحقيقية هي حرب الحصار مع الركام والأشلاء والمصابين والمرضى. وهنا لن يستطيع كائن من كان الادعاء بأنها حرب إسرائيلية خالصة، بل سنعود إلى حقيقة أنه ما كان للحصار الإسرائيلي أن ينجح على القطاع قبل بدء العدوان، لولا الحصار العربي، وتحديداً إغلاق معبر رفح. باختصار، فإنه مع توقف إطلاق النيران، سيكون بإمكان إسرائيل مشاركتنا حصاد فشل عدوانها والمسؤولية عنه، مع ما لذلك من ارتدادات داخلية خطيرة جداً. ويكفي مؤشراً هنا الهجوم الإيراني على مصر بدعوى إعاقتها إيصال المساعدات الإنسانية لغزة، علماً أن نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي داعم لنظام بشار الأسد، حليف إيران الباقي بسببها!
هكذا، يكون مصلحة عربية، للأنظمة تحديداً، عدم قبول وقف العدوان الإسرائيلي مع بقاء حصار غزة؛ الحل الوحيد هو وقف العدوان ورفع الحصار؛ ولا حل سواه.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018