الحرب العظمى في الشرق الأوسط: ما الذي فعله غزو أميركا للعراق في العام 2003؟

بيتر فان بورين - (توم دسباتش) 23/10/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ماذا لو أن الولايات المتحدة لم تقم بغزو العراق في العام 2003؟ كيف كانت الأمور لتختلف في الشرق الأوسط اليوم؟ هل كان غزو العراق، بكلمات المرشح الرئاسي بيرني ساندرس، "أسوأ خطأ في السياسة الخارجية" يُرتكب في كامل التاريخ الأميركي؟ دعونا نلقي نظرة على الصورة الكبيرة للشرق الأوسط الراهن، ونحاول الإجابة عن هذه الأسئلة. ولكن أولاً، ثمة طلب: بعد كل فقرة تالية، هل يمكنك إضافة السؤال "ما الذي يمكن أنه يسير خطأ؟".
فلندع التاريخ يبدأ
في آذار (مارس) 2003، عندما أطلقت إدارة بوش غزوها للعراق، بدت المنطقة، ولو أنها كانت تجيش كما هو حالها دائماً، على النحو الآتي: كانت ليبيا دولة مستقرة، يحكمها الرجل القوي نفسه منذ 42 عاماً؛ وفي مصر، كان حسني مبارك مستقراً في السلطة منذ العام 1983؛ وكانت عائلة الأسد تدير سورية منذ العام 1971؛ وكان صدام حسين في الأساس هو المسؤول في العراق منذ العام 1969، قبل أن يصبح رئيساً في العام 1979؛ وكانت لدى الأتراك والأكراد هدنة، هشة ولكنها عاملة؛ وكان اليمن هادئاً بما يكفي، باستثناء الهجوم الإرهابي على المدمرة الأميركية "يو. أس. أس. كول" في العام 2000. وكانت العلاقات بين الولايات المتحدة ومعظم هذه الدول دافئة جداً، حتى أن واشنطن كانت تقوم بشكل روتيني بتسليم "الإرهابيين" لسجونها الحصينة من أجل بعض التعذيب المستعين بمصادر خارجية.
بعد وقت قصير من آذار (مارس)، عندما غزت القوات الأميركية العراق، أصبحت إيران في مواجهة جيشين أميركيين في ذروة قوتهما. في الشرق، كان الجيش الأميركي قد دمر فعلياً حركة طالبان وأضعف القاعدة إلى حد كبير، وكلاهما عدو لإيران، لكن أميركا استبدلتهما بقوة احتلال. وإلى الغرب، ذهب عدو إيران القديم على مدى عقود، صدام حسين، لكن قوة احتلال هائلة أخرى حلت محله هناك أيضاً. ومن موقع الضعف هذا، سعى قادة إيران -مرتعبين بلا شك من احتمال تدفق الأميركيين عبر حدودهم، إلى تقارب دبلوماسي حقيقي مع واشنطن لأول مرة منذ العام 1979. لكن إدارة بوش واجهت الجهود الإيرانية بالرفض.
تعجيل الحدث
يظل تثيبت العلاقة السببية شأناً مراوغاً على الدوام. ولكن، مثلما أشعل اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند شرارة الحرب العظمى التي أنهت كل الحروب الأخرى في العام 1914، كان غزو أميركا في العام 2003 هو ما يشير إليه الروائيون باسم "الحدث المعجِّل"، الشيء الذي ربما لا يكون السبب وراء كافة التطورات المقبلة في العقدة، لكنه هو الذي يضعها قيد الحركة بالتأكيد.
لم يسبق وأن حدث مثل هذا الإخلال في ميزان القوى في الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الأولى، عندما توصلت بريطانيا العظمى وفرنسا سراً إلى اتفاقية سايكس-بيكو، التي عملت -من بين أمور أخرى- على تقسيم معظم الأراضي العربية التي كانت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية. وبسبب الحدود الوطنية التي خُلقت في ذلك الحين، ولم تحترم الحقائق القبلية والسياسية والعرقية والدينية الموجودة على الأرض، فإنه يمكن القول بأن الاتفاقية مهدت الأرضية للكثير مما جاء فيما بعد.
والآن، لننتقل أماماً بسرعة إلى العام 2003، حين بدأ الشرق الأوسط الذي كنا نعرفه بالانهيار. لقد اندفعت تلك القوات الأميركية إلى داخل بغداد فقط لتجد نفسها تقف هناك، مشدوهة، وهي تحدق في الفوضى. ولنقفز في الزمن بسرعة مرة أخرى أيضاً إلى العام 2015؛ حيث تبدأ الجولة الكبرى من الانهيار!
- الرجل المريض في الشرق الأوسط: من السهل بما يكفي العبور اقتحاماً عبر ثلاثة بلدان في المنطقة، والتي تعاني حالات مختلفة من التدهور والانحلال، قبل الوصول إلى قلب الفوضى. ليبيا دولة فاشلة، تنزف الفوضى وتوزعها في شمال أفريقيا؛ ومصر فشلت في اختبار ربيعها العربي وتعتمد على الولايات المتحدة في دعم حكومتها العسكرية المناهضة للديمقراطية (والمناهضة أيضاً للإسلام الأصولي)؛ واليمن أيضاً دولة فاشلة إلى حد كارثي، وهي الآن مسرح لحرب بالوكالة بين المملكة العربية السعودية المدعومة أميركياً، والثوار الحوثيين المدعومين إيرانياً (مع فرع مزدهر لتنظيم القاعدة، وذراع صغيرة -وإنما ينمو- لمجموعة "الدولة الإسلامية"، واللذين ينشطان في المعمعة أيضاً).
- العراق: أصبح أوباما الآن الرئيس الأميركي الرابع على التوالي الذي يأمر بقصف العراق، ومن شبه المؤكد أن خليفته سيكون الخامس في ذلك. وإذا كان ثمة مغامرة أميركية بعد فيتنام، والتي تستحق أن ترث لقب "المستنقع"، فإنها مغامرة العراق.
هنا يأتي الجزء الأكثر بؤساً من الحكاية: ما يزال على القوى التي تم إطلاقها هناك في العام 2003 أن تصل إلى نقطة النهاية الطبيعية. ويمكنك أن تراهن بنقودك على الشيعة، لكن تصوُّر أن هناك حصاناً شيعياً واحداً فقط للرهان عليه يعني عدم إدراك اتساع الميدان الحقيقي. إن ما يُعرَّف بأنه "الحكومة" الشيعية في بغداد اليوم هو طيف من مجموعات المصالح، والتي لكل منها ميليشياها الخاصة. وبعد استبدال رئيس الوزراء القوي السابق، نوري المالكي، برئيس وزراء ضعيف، حيدر العبادي، ومع طرد "داعش" عن بوابات بغداد، تتمتع كل ميليشيا شيعية الآن بالحرية في ركوب حصانها الخاص وحثه بحثاً عن مركز متقدم. وما يزال الشعور بالتأثير الكامل لتنزلق العراق غير مكتمل بعد. وفي مرحلة ما، يمكن أن نتوقع حرباً أهلية تنشأ في داخل حرب أهلية.
- إيران: إذا كان ثمة سلطة توحيد بقيت في العراق، فهي إيران. فبعد الحرب الخاطفة البدئية في العام 2003، أدت نسخة إدارة بوش من الكولنيالية الجديدة في العراق إلى صعود التمردات السنية، والميليشيات الشيعية، وإلى تدفق المقاتلين الأجانب الشرسين. وعندئذٍ، هرعت طهران لملء الفراغ، وفي العام 2011، وفي اتفاق توسطت فيه إدارة بوش المغادرة ونفذته إدارة الرئيس أوباما، هرول الأميركيون باحثين عن مخرج من البلد. وبقي الإيرانيون. والآن، دخل الإيرانيون في علاقة زواج غريبة من الولايات المتحدة ضد ما تتظاهر واشنطن بأنه عدو مشترك –"داعش"- وإنما فيما يراه الإيرانيون وحلفاؤهم في بغداد حرباً ضد السنة بشكل عام. وعند هذه النقطة، لم يكن ما فعلته واشنطن سوى تسليم العراق للإمبراطورية الفارسية الجديدة؛ وما يزال الجميع ينتظرون أن ينجلي الغبار فحسب.
كما يواصل الإيرانيون التدخل في سورية أيضاً، مقدمين الدعم للرئيس بشار الأسد. وتحت الغطاء الجوي الروسي، تقوم إيران بزيادة قواتها هناك أيضاً. ووفقاً لتقرير حديث، فإن إيران تقوم الآن بإرسال نحو 2.000 جندي إلى سورية، إلى جانب نحو 5.000 من المقاتلين الشيعة العراقيين والأفغان. وربما يصفون ذلك بأنه "زيادة عديد القوات" بالفارسية مسبقاً.
- الأكراد: تم شطب فكرة إقامة "كردستان" كدولة من قائمة "ما يجب فعله" التي وُضعت بعد الحرب العالمية الأولى. وكانت معاهدة سيفر التي أُبرمت في العام 1920 قد تركت في البداية فسحة لإجراء استفتاء على ما إذا كان الأكراد يريدون أن يظلوا جزءا مما تبقى من الإمبراطورية العثمانية، أم أن يصبحوا مستقلين. لكن هناك مشكلتان: الأولى، لم يشتمل ذلك الاستفتاء المقترح على خطط للأكراد فيما أصبح سورية والعراق. والثانية: لم يتم إجراء ذلك الاستفتاء مطلقاً، وذهب ضحية لما يدعى حرب الاستقلال التركية. والنتيجة: نحو 20 مليوناً من الأكراد الغاضبين المنتشرين في أجزاء من إيران والعراق وتركيا وسورية الحديثة.
مع ذلك، فتح ذلك الغزو الأميركي في العام 2003 الطريق أمام الأكراد لتشكيل دويلة مستقلة ظاهرياً، -كونفدرالية إذا شئت- حتى ولو أنها ما تزال محصورة في داخل حدود العراق. وفي ذلك الوقت، وُصف الأكراد بأنهم أصدقاء أميركا الوحيدون الحقيقيون في العراق، والذين كوفئوا بالكثير من الأسلحة والكثير من إدارة الوجه والنظر إلى الجهة الأخرى، حتى بينما كان مسؤولو إدارة بوش يثرثرون عن هدف الاحتفاظ بعراق موحد.
في العام 2014، استفاد الأكراد من قوة الولايات المتحدة مرة أخرى. ففي سياق بحثها اليائس عن أحد ليقاتل "داعش" بعد أن هرب الجيش العراقي المدرب أميركياً وهو يجر أذياله (وقبل أن تدخل الميليشيات الإيرانية والشيعية القتال بقوة معقولة)، بدأت إدارة أوباما مرة أخرى بإرسال الأسلحة والمعدات إلى الأكراد، بينما تقدم دعماً جوياً وثيقاً لميليشياهم، البشميرغة. واستجاب الأكراد بالقتال بشكل جيد، على الأقل فيما يعتبرونه الجزء الكردي من العراق. ومع ذلك، فإن ظل اهتمامهم بالتورط في حرب أهلية أكبر بين السنة والشيعة في حده الأدنى. في انعطافة جيدة بالنسبة إليهم، ساعد الجيش الأميركي القوات الكردية على التحرك إلى شمال سورية، مباشرة إلى جوار الحدود التركية. وبينما يقاتلون "داعش"، بدأ الأكراد أيضاً باستعادة المناطق التي يعتبرونها تقليدياً لهم. وربما يتبين أيضاً أنهم الكاسبون الحقيقيون في كل هذا، إلا إذا وقفت تركيا في طريقهم.
- تركيا: لم تكن العلاقة بين الأتراك والأكراد وردية في أي وقت من الأوقات، سواء في داخل سورية أو على طول الحدود العراقية التركية.
في داخل تركيا، يشكل حزب العمال الكردستاني المجموعة الأساسية التي تطالب بدولة مستقلة. وقد امتد تمرده الأول من العام 1984 حتى العام 1999، عندما أعلن حزب العمال الكردستاني وقفاً لإطلاق النار من جانب واحد. واندلع الصراع المسلح مرة أخرى في العام 2004، وانتهى إلى هدنة في العام 2013، والتي انكسرت بدورها مؤخراً. وعلى مر السنين، نفذ الجيش التركي أيضاً غزوات برية متكررة ضد حزب العمال الكردستاني في داخل العراق.
بالنسبة لمجموعة "داعش"، منحت تركيا للأفراد منذ مدة نوعاً من الطريق في اتجاه واحد "سياسة باب مفتوح" على الحدود مع سورية؛ حيث سمحت لمقاتلي "الدولة الإسلامية" والمتطوعين الأجانب بالعبور إلى داخل ذلك البلد. كما سوَّق "داعش" أيضاً كميات يعتد بها من نفط السوق السوداء في تركيا لتمويل نفسه، ربما بدعم ضمني، أو على الأقل بتجاهل طوعي من السلطات التركية. وبينما زعم الأتراك أنهم ينظرون إلى "داعش" على أنه قوة مناهضة للأسد، شعر البعض بأن موقف تركيا السخي تجاه الحركة عكس تفضيل الحكومة أي شيء على وجودٍ كرديٍّ موسع على حدودها. وفي حزيران (يونيو) من هذا العام، ذهب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى حد القول إنه لن يسمح "أبداً بإنشاء دولة كردية في شمال سورية".
في ضوء كل هذا، من المفاجئ بالكاد أن تكون جهود إدارة أوباما المبكرة لجلب تركيا إلى معسكر القتال ضد "داعش" قد فشلت. لكن الأمور تغيرت في آب (أغسطس) 2015، عندما تم التوصل إلى اتفاق تعاون مع واشنطن، والذي يفترض أنه ضد "داعش". ووافق الأتراك على السماح للأميركيين بإطلاق مهمات قصف جوي من قاعدتين جويتين في تركيا ضد مجموعة "داعش" في سورية. ومع ذلك، بدا أن هناك مقايضة غير معلنة تمت في ذلك الاتفاق: سوف تغض الولايات المتحدة الطرف عن عمل عسكري تركي ضد حلفائها الأكراد. وفي اليوم نفسه الذي أعلنت فيه تركيا أنها ستقاتل "الدولة الإسلامية" بشكل جدي، فإنها بدأت أيضاً حملة جوية ضد حزب العمال الكردستاني.
من جانبها، زعمت واشنطن أنها "خُدعت" من الأتراك الماكرين، في حين أضافت: "إننا نحترم تماماً حق حليفتنا تركيا في الدفاع عن النفس". وفي العملية، وجد الأكراد أنفسهم مدعومين من الولايات المتحدة في الصراع مع "داعش"، حتى بينما كان يتم الإلقاء بهم للذئاب (التركية). وهناك تعبير كردي يقول "إن الأكراد ليس لهم أصدقاء سوى الجبال". وإذا ما قُيض لهم أبداً أن يحققوا كردستاناً عابرة للحدود، فإنهم سيكونون قد كسبوها بالجهد والمشقة بكل تأكيد.
- سورية: في سلسلة من الأحداث التي يكاد يكون فهمها مستحيلاً، وبعد أن أحجمت عن دعم الربيع العربي بشكل أساسي في الأماكن الأخرى، اختارت إدارة أوباما أن تفعل ذلك في سورية؛ حيث تحاول استخدام "الربيع" في إخراج الرئيس بشار الأسد من السلطة. وفي العملية، وجدت إدارة أوباما نفسها وهي تصبح أكثر تورطاً وتغرق أعمق في الصراع الذي لم تستطع السيطرة عليه، والذي تبحث فيه بلا نهاية عن ذلك الحصان الأسطوري صاحب القرن الوحيد في جبهته؛ الثائر السوري المعتدل الذي يمكن تدريبه وتوظيفه لإخراج الأسد من دون السماح بدخول الأصولية الإسلاموية في مكانه. وفي هذه الأثناء، وجدت فروع تنظيم القاعدة، بما فيها "الدولة الإسلامية"، ملاذاً في مناطق الحدود المتحللة بين العراق وسورية، وفي الأراضي السنية في ذلك البلد.
سمح باراك أوباما غير الحاسم بأن يكون التدخل الأميركي في سورية في حالة مد وجزر دائمين. وفي أيلول (سبتمبر) 2013، وبينما كان على وشك توجيه ضربة هائلة ضد قوات نظام الأسد، حول أوباما القرار فجأة إلى الكونغرس، الذي أثبت بالطبع أنه غير قادر على تقرير أي شيء. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، وبينما كان مرة أخرى على حافة مهاجمة سورية، سمح الرئيس بتغيير رأيه بعد أن فتحت زلة لسان من وزير الخارجية، جون كيري، الباب أمام الوساطة الدبلوماسية الروسية. وفي أيلول (سبتمبر) 2014، وفي تحول مفاجئ نسبياً، شن أوباما حرباً ضد "الدولة الإسلامية" في سورية، والتي أثبتت كونها غير حاسمة في أحسن الأحوال.
- روسيا: يجلبنا هذا كله إلى فلاديمير بوتين، مغير قواعد اللعبة السورية في هذه اللحظة. ففي أيلول (سبتمبر)، أرسل الرئيس الروسي قوة عسكرية صغيرة، وإنما قوية، إلى مطار مهمل في مدينة اللاذقية السورية. وباستخدام "محاربة داعش" كقصة للتغطية، أصبح الروس يعملون الآن باعتبارهم قوات الأسد الجوية، بالإضافة إلى كونهم مزوده الرئيسي بالأسلحة، والمصدر المحتمل لتزويده بالجنود "المتطوعين".
ومع ذلك، يبقى الأمر الأكثر أهمية هو تلك الطائرات الروسية العاملة في سورية. وقد أعطيت ضمانات بأن لا تتعرض للإسقاط على يد الحضور الجوي الأميركي الأكثر قوة في المنطقة (لأنه ليس لدى واشنطن الكثير لتكسبه، والكثير مما تقلق إزاءه، عندما يأتي الأمر إلى الدخول في صراع مفتوح مع الروس). ويمنح ذلك للروس شبه حصانة للضرب متى وأينما يريدون، دعماً لمن يشاؤون. كما يلغي ذلك أي فرصة لإقامة الولايات المتحدة أي مناطق حظر للطيران في أجزاء من سورية.
لدى الروس القليل من الحافز للرحيل، بالنظر إلى المرور المجاني الممنوح لهم من إدارة أوباما. وفي الأثناء، يصبح الجيش الروسي أقرب إلى الإيرانيين الذين يتقاسمون معه قضية مشتركة في سورية، وكذلك الحكومة الشيعية في بغداد، والتي ربما تدعوهم قريباً للانضمام إلى القتال ضد "داعش" هناك. ويكاد المرء يسمع بوتين وهو يضحك متهللاً. ومع أنه قد لا يكون أكثر الاستراتيجيين مهارة في العالم، فإنه الأكثر حظاً بينهم بالتأكيد. عندما يعطيك أحد المفاتيح، فإنك ستأخذ السيارة.
الحرب العالمية الأولى
كما كان الحال في أوروبا الإمبريالية في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، فإن ثمة انهيارا كاملا للنظام في الشرق الأوسط قيد العمل، بينما تنطلق من عقالها قوى ظلت طويلاً تحت السيطرة. وفي الرد على ذلك، تحركت القوتان العظميان لحقبة الحرب الباردة مرة أخرى، بشكل معتدل على الأقل، حتى ولو أن كليهما تخشيان من شرارة يمكن أن تدفعهما إلى صراع مباشر. ولدى كل منهما علاقات إقليمية متشابكة يمكن بسهولة أن تفاقم القتال: روسيا مع سورية، والولايات المتحدة مع العربية السعودية وإسرائيل، بالإضافة إلى التزامات الناتو تجاه تركيا. (اخترق الروس بالفعل المجال الجوي التركي وأسقط الأتراك طائرة من دون طيار، والتي وصفت على استحياء بأنها "مجهولة المصدر").
يمكنك أن تتخيل حدوث سيناريو يجر أياً من هؤلاء الحلفاء أعمق في دوامة الفوضى: حركة إيرانية ما في سورية، والتي تستدرج رداً من إسرائيل في مرتفعات الجولان، أو تحفز تحركاً روسياً متعلقاً بتركيا، والذي يجلب دعوة الناتو للمساعدة... وستكون لديك الصورة. أو تخيل حدوث سيناريو آخر: مع حديث كل مرشح رئاسي في الولايات المتحدة الآن عن الفرصة لمواجهة بوتين، ما الذي قد يحدث إذا أسقط الروس بالخطأ طائرة أميركية؟ هل سيستطيع أوباما مقاومة الدعوات إلى رد انتقامي؟
كما كان حال أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى، فإن مخاطر تحريك شيء لا يمكن وقفه موجودة في الشرق الأوسط اليوم فعلاً.
حول ماذا يدور كل هذا؟
ماذا لو أن الولايات المتحدة لم تقم بغزو العراق في العام 2003؟ ستكون الأمور قد اختلفت بلا شك في الشرق الأوسط اليوم. كان من غير المرجح أن تشكل حرب أميركا في أفغانستان شرارة كبيرة بما يكفي لإشعال طيف التغيرات التي أطلقتها حرب العراق. كان هناك نحو 10.000 جندي أميركي فقط في أفغانستان في العام 2003 (5.200 في العام 2002) ولم يكن هناك أي شيء من نوع التعذيب العشوائي الذي تم في "أبو غريب"، ولا نظير لسياسة الأرض المحروقة التي استخدمتها القوات الأميركية في مدينة الفلوجة العراقية، ولا شيء يمكن أن يشعل صراعاً سنياً-شيعياً-كردياً عابراً للحدود، ولا متَّسعاً لتدخل إيران كما يحدث الآن. كان الأميركيون يقتلون المسلمين في أفغانستان، لكنهم لم يكونوا يقتلون العرب، ولم يكونوا يحتلون أرضاً عربية.
لكن غزو العراق حدث مع ذلك. والآن، بعد نحو 12 عاماً من ذلك، يبقى الأمر الأكثر إثارة للقلق بشأن الحرب الحالية في الشرق الأوسط، من منظور أميركي، هو أنه ليس هناك أحد هنا يعرف حقاً لماذا ما يزال البلد في خضم الحرب. والسبب المعلن عادة -"هزيمة الدولة الإسلامية"- هو بالكاد مقنع وواضح في ذاته. هزيمة "داعش"، لماذا؟
أفضل ما يمكن أن تأتي به واشنطن من الأسباب هو الحديث نفسه عن تهديدات الإرهاب الغامضة ضد الوطن، والتي كانت قد غذت حروبها الكارثية منذ 11/9. ويمكن أن يقول البيت الأبيض إن الأسد شخص سيئ وإن طاقم "داعش"، هم حقاً أشخاص سيئون، لكن الأشخاص السيئين بالكاد نادرون أو يعانون نقصاً في المعروض، بما في ذلك بلدان تدعمها الولايات المتحدة. وفي الحقيقة، لدى الولايات المتحدة القليل من الأهداف الواضحة في المنطقة، لكنها تقوم بالتصعيد على أي حال.
أياً يكن النظام العالمي الذي ربما تقاتل الولايات المتحدة لأجله في الشرق الأوسط، فإنه يبدو أن ثمة إمبراطورية أو اثنتين عفا عليهما الزمن وانتهت صلاحيتهما في المنطقة. إن واشنطن ترفض الاعتراف لنفسها بأن أفكار الإسلام الأصولي تجد لها صدى عند عدد كبير من الناس. وعند هذه النقطة، وحتى بينما تصبح صواريخ "تاو" الأميركية منتشرة في كل مكان في المنطقة مثل "الآيباد"، فإن قوة الجيش الأميركي يمكن أن تؤخر التغييرات فقط، لا أن توقفها. وما لم يترسخ شكل من إعادة توازن القوى، والذي يرجح أن يفضل نسخة ما من الإسلام الأصولي، ويصنع قدراً ما من الاستقرار في الشرق الأوسط، فلك أن تراهن على شيء واحد: سوف تكون الولايات المتحدة بصدد محاربة أبناء "داعش" لسنوات مقبلة طويلة من الآن.
عودة إلى الحرب العالمية الأولى. في المرة الأخيرة التي سجلت فيها روسيا والولايات المتحدة حضوراً قوياً في الشرق الأوسط، كاد اشتباك وكلائهما في حرب الغفران في العام 1973 يجلب اشتباكاً نووياً. ولا يتنبأ أحد الآن بنجوم حرب عالمية أو نووية من الفوضى في سورية. ومع ذلك، ومثل تلك الأيام الأخيرة قبل الحرب العظمى، يجد المرء في الشرق الأوسط اليوم الكثير من القطع التي تعمل في داخل برميل من البارود.
والآن، فلنردد معاً السؤال نفسه: ما الذي يمكن أنه يحدث خطأ؟

ala.zeineh@alghad.jo

*حذر بيتر فان بورين من هدر وزارة الخارجية وسوء إدارتها خلال فترة إعادة إعمار العراق في كتابه: "قصدنا كان حسناً: كيف ساعد ذلك في خسارة المعركة من أجل عقول وقلوب الشعب العراقي". آخر كتبه هو "أشباح توم جواد: حكاية #99%".
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Peter Van Buren, The Great War in the Middle East

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018