د.أحمد جميل عزم

الاستراتيجية المصرية والتكتيك الإسرائيلي

تم نشره في الأربعاء 13 تموز / يوليو 2016. 12:08 صباحاً

إذا كان الفلسطينيون (الرسميون) يقولون إنّ اللعبة الوحيدة في الميدان هي "المبادرة" الفرنسية، وأعلنوا عدم الرضا، شكلا وموضوعا، عن تقرير اللجنة الرباعية المقرر تقديمه للأمم المتحدة، وهو تقرير يبدو بمثابة الدخول على خط المبادرة الفرنسية، في الاتجاه المعاكس لما يأمل الفلسطينيون أن يسلكه الفرنسيون؛ فإنّ المصريين دخلوا بمركبتهم الشارع، محملين بمبادرة السلام العربية وأفكار أخرى، "وهدايا" منها لقاءات "دافئة" مع الإسرائيليين. وبقراءة تفاصيل الزيارة، نجد أنّ مصر تحدثت في قضايا استراتيجية، مقابل حفاظ الإسرائيليين على سياساتهم التكتيكية.
بالنسبة للإسرائيليين، فإنّ مجرد زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري، هذا الأسبوع، شكلت مكسباً ومناسبة سعيدة، وهدية. فبالنسبة لبنيامين نتنياهو، لقاء وزير خارجية الدولة العربية الأكبر هو رسالة أنّ دبلوماسيته غير معزولة، وأنّ علاقته مع مصر في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي في تطور؛ وفرصة للقول إنّ هناك عملية سياسية تجري أو ممكنة. ومن هنا كان هناك حرص في الإعلام الإسرائيلي على تصوير دفء اللقاء، الذي شمل تناول طعام العشاء في بيت نتنياهو (في القدس المحتلة)، وشمل حضور مباراة كرة القدم الختامية في البطولة الأوروبية أثناء التواجد في المنزل، فضلا عن القول إنّ جزءا من الزيارة تضمن محاولة مصرية للاستفادة من "النفوذ" الإسرائيلي في أفريقيا لمساعدة مصر هناك في ملفات مثل سد "النهضة" المائي الذي تنوي أثيوبيا إقامته على نهر النيل، وقد يضر بحصص مصر من المياه. أي إن العلاقات دافئة بالفعل، وهناك ملفات أخرى غير الفلسطينيين للحديث فيها.
لا تنفصل الزيارة المصرية عن خطاب الرئيس السيسي في أيار (مايو) الماضي، والذي دعا فيه للسلام على قاعدة مبادرة السلام العربية. وبالتالي، فالموقف المصري ليس بعيدا عن الطرح العربي والفلسطيني وهو منسجم معه، وتم ذكر نقطتين أساسيتين في زيارة شكري: الأولى، ضرورة "اتخاذ خطوات جادة على مسار بناء الثقة، وتوفر إرادة حقيقية غير قابلة للتشتت أو فقدان البوصلة تحت أي ظرف من الظروف". وهذا ما يمكن أن يعني المطالب الفلسطينية بشأن المستوطنات والأسرى كتمهيد لإطلاق التفاوض. لكن النقطة الاستراتيجية الأهم في طرح شكري، كانت أن مصر تؤكد أهمية وضع سقف زمني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتعمل على مناقشة الفكرة مع الجانب الفلسطيني والأطراف الدولية وخصوصاً باريس.
بهذا المعنى يمكن رؤية التحرك المصري بأنّه يساعد الفلسطينيين في محاولتهم دفع الفرنسيين لتبني أولويات وأجندة محددة، ويساعد في العودة للمطلب الفلسطيني الذي طرح عند بدء طرح فكرة "تدويل الصراع" قبل سنوات بشأن وضع سقف زمني مستهدف ومحدد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي التي احتلت العام 1967.
بالنسبة لنتنياهو، فإنّ القراءة في تصريحاته (كما وردت في الإعلام)، تشير إلى أنّه ربما حاول التعامي أو إغفال المطلب المصري، بالحديث عن ضرورة قيام الفلسطينيين "بالانضمام إلينا في مفاوضات مباشرة باعتبارها الطريق الوحيدة التي نستطيع من خلالها التعامل مع جميع القضايا العالقة بيننا وتحويل رؤية السلام المبني على دولتين للشعبين إلى واقع".
هذا الطرح الإسرائيلي هو هروب من شكل التفاوض ضمن مظلة دولية (المبادرة الفرنسية)، وهو هروب من فكرة تحديد سقف زمني لإنهاء الاحتلال، أي إنّه جزء من استمرار التكتيك الذي يريد مفاوضات ثنائية مع الفلسطينيين تستمر إلى الأبد من دون التوصل لاتفاق. 
لقد نجحت الدبلوماسية الإسرائيلية المدعومة من واشنطن بإفراغ الجهود الفرنسية من أي معنى حقيقي؛ من حيث وضع سقف زمني أو آليات لتجسيد الدولة الفلسطينية.
إذا ما أصر المصريون على موضوع السقف الزمني، ودعموا الإطار الدولي، وانضمت دول عربية أخرى بإلقاء ثقلها في هذا الاتجاه، وخصوصاً السعودية، وتم إقناع الأوروبيين وخصوصاً الفرنسيين بموضوع السقف الزمني، وتم الضغط على واشنطن في هذا الاتجاه، وترافق كل هذا بإتمام مصالحة أو ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، سيكون ممكناً توقع تغير إيجابي في المشهد لصالح عزل السياسة الإسرائيلية وقطع الطريق على تكتيكها لإدامة الأمر الواقع الراهن، أي استمرار الاحتلال والاستيطان، بأقل ثمن ممكن ميدانياً على الأرض مع الفلسطينيين، ودبلوماسيا على الصعيد الدولي.

التعليق