إبراهيم غرايبة

العمل مؤشرا إليه بالتهميش واتجاهات التعليم

تم نشره في الجمعة 22 تموز / يوليو 2016. 11:08 مـساءً

لم تعد العلاقة بين التطرف وبين أسلوب التعليم واستراتيجياته، ثم العلاقة بين بيئة العمل التي ساهمت فيها المؤسسات التعليمية وبين التطرف، مقولة إصلاحيين معزولين يغردون خارج السرب؛ إذ إن البنك الدولي أيضا نشر مؤخرا مقالاً لرئيس الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فيه، شانتا ديفاراجان -وهي في الأصل مساهمة في مؤتمر للبنك- بعنوان "تحولات جذرية في مفاهيم التعليم العالي"، ذكر فيها أن اعتماد التعليم على التلقين وتغييب الإبداع والفكر النقدي عن المناهج، أنشأ بيئة مشجعة وآمنة للتطرف؛ وأن عجز المنظومة التعليمية عن المشاركة في تطوير بيئة العمل يساهم في الأزمة الاقتصادية الاجتماعية التي لم تتوقف تداعياتها عند البطالة، بل امتدت إلى التطرف.
أصبحت جودة التعليم في جامعاتنا، حسب البنك الدولي، في أدنى مستوياتها في العالم. ويفتقر الخريجون إلى المهارات اللازمة للعمل في السوق، فضلا عن المشاركة في الفرص والأسواق العالمية. كما يفتقرون إلى "المهارات الحياتية"، بما في ذلك روح الإبداع والعمل الجماعي. وتتصاحب اليوم معدلات البطالة المرتفعة مع فرص وظيفية كثيرة شاغرة لسبب بسيط وواضح، هو عدم امتلاك الشباب للشروط والمؤهلات المطلوبة لهذه الفرص. وفي الوقت نفسه، فقد حصل خريجون على فرص ووظائف في القطاع العام أو الشركات التي تمتلكها الحكومة، وإلى حد ما في القطاع الخاص، وهم لا يملكون المؤهلات الكافية لإشغالها وتطويرها وتحويلها إلى مصدر للإنتاج وزيادة الموارد والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولكنهم ساهموا في إفشال المؤسسات وتراجع أدائها، وإشاعة حالة من عدم المساواة والشعور بالظلم.
تبدأ الحكومة بإصلاح وتطوير قطاع التعليم والعمل وحركة الأسواق والإنتاج، إذا فعلت أمرين: ألا تتساهل في التوظيف؛ وأن تطور آليات ومؤسسات لإجازات العمل وتحديثها بانتظام، بحيث يكون المتجهون إلى العمل ملتزمين بتأهيل أنفسهم ومواصلة هذا التعليم والتدريب لمواكبة التطور والتغير في العمل والمعارف.
وبذلك، فإن الحكومة ستزود الأسواق ومؤسساتها بكفاءات معرفية ومهنية ملائمة للعمل، وتحسن أداء المؤسسات والخدمات العامة. وبطبيعة الحال، فإنها بذلك تطور وتحسن بيئة العمل في القطاع الخاص، كما أن العاملين في القطاع العام سوف يكونون قادرين على الانتقال للعمل في الشركات والأسواق العالمية.
أنظمة التعليم والتوظيف القائمة اليوم في القطاع العام، لا تؤدي فقط إلى ضعف مستوى الكفاءات والمؤسسات العامة، ولكنها أيضا تضعف الأسواق والاستثمار، وتقلل فرص المواطنين في المشاركة العالمية؛ بل إنها تؤدي إلى إحلال الكفاءات والشركات والسلع والخدمات الأجنبية محل الوطنية في السوق الوطنية نفسها.
الطلبة اليوم يحفظون ويكررون في المدارس والجامعات معلومات لا تفيد كثيرا في بناء المهارات والشخصية الضرورية للمشاركة الاقتصادية والاجتماعية وبناء التماسك الفكري والاجتماعي، ومواجهة الهشاشة والضعف والقابلية للانخراط في البطالة والتطرف وضعف الفاعلية وانحدار مستوى المعيشة والتكامل الاجتماعي. ولا تجد الشركات والمؤسسات العقول الإبداعية والمبادرة للعمل والمغامرة والتطوير، أو أن هذه المؤهلات تقتصر على فئة من المجتمع ممن أتيحت لهم فرص التعليم والمشاركة في مؤسسات تعليمية وتدريبية غير متاحة للمواطنين. وبذلك، نضيف التهميش الاقتصادي والاجتماعي إلى البطالة والتطرف وضعف الكفاءات، ويتحول التعليم وفرص المنح الدولية إلى أداة لزيادة فرص الأغنياء والنخب وتهميش الفقراء ومعظم الطبقات الاجتماعية!

التعليق