سائد كراجة

"التوجيهي" راسب

تم نشره في الأربعاء 27 تموز / يوليو 2016. 12:02 صباحاً

فكر فيها أبوصطيف؛ نسبة الرسوب في امتحان "التوجيهي" حوالي 60 %، يعني الامتحان نفسه راسب! وفوقها أغلب فروع "التوجيهي"؛ أدبي، وشرعي، وصناعي، سجلت نسبة رسوب حوالي 80 %. "بشرفك في أفشل من هيك امتحان؟!". لكن، وللإنصاف، يُذكر لوزير التربية والتعليم شجاعته في إظهار حقيقة هذا الامتحان، إذ أوقف عمليات "تكحيل" نتائج "التوجيهي" التي كانت تمارسها الوزارة لسنوات طوال. وقد انتصر الوزير نفسه، وبقوة السيف، في "غزوة" الحد من الغش في الامتحان الذي يمثل ثمرة اثني عشر عاما دراسيا.
"طب بلاش، جيب" مجموعة "أينشتاين" من الناجحين -مع تقديري لجهودهم وجدّهم واجتهادهم- كم واحدا منهم يُتقن اللغة الإنجليزية كتابة؟ كم واحدا منهم يعزف على آلة موسيقية؟ كم واحدا منهم يمتلك مهارات الاتصال والتواصل؟ وبعيداً عن مهارات البحث عن "بوكيمون"، كم واحدا منهم يمتلك مهارات البحث العلمي اللازمة للحياة الجامعية؟ يعني، ببساطة وبغض النظر عن حفظ كمية كبيرة من المعلومات سريعة التبخر، فإن ضعف المهارات التي يتخرج بها الناجحون والراسبون يثبت أن هذا الامتحان مضيعة للوقت والمال.
"أقلّك، فهمني أبوصطيف"، ما هي الرؤية التي تقف وراء هذا الامتحان؟ ما هي أهدافه؟ لماذا الفرع العلمي أعلى من الأدبي عدداً وأكثر نجاحاً؟ لماذا هذا الضعف في الفرع المهني عدداً ونسبة نجاح، ونحن نقول ليل نهار بضرورة التوجه للتعليم المهني؟! ماذا يعني فرع المعلوماتية؟ وكم أسهم هذا الفرع في تأسيس "سيلكون فالي الأردن"؟ فرع الشرعي؛ هل من رؤية لهذا الفرع في ضوء الانفلات "الفتووي" وانتشار فكر التطرّف؟ يعني إذا "بدّي أتفلسف أبوصطيف"، هل يمثل "التوجيهي" أي فلسفة تعليمية معينة؟ هل يُوجه في تحقيق أي هدف وطني؟!
هذا الامتحان رشح هذه السنة 27 ألف طالب للجامعات الحكومية -كأنه ناقصنا- وهؤلاء الطلبة أنفسهم "ذوو المهارات الضعيفة"، سينخرطون في برامج شهادة جامعية "منزوعة الكفاءات". "بعدين بتسأل حضرتك ليش عنا بطالة؟"، ولماذا توقف الخليج عن تشغيل الأردنيين؟! ولماذا يشكو القطاع الخاص من عدم وجود كفاءات؟ "بتتذكر أبو صطيف" مهارات الأردنيين وكفاءاتهم كيف كانت مفتاحهم لسوق العمل وتعظيم فرص التشغيل، كان التعليم ثروة وطنية سندت اقتصاد الأردن، "ليش فرطنا فيها"؟!
لقد هرمنا، أبوصطيف، في إظهار عيوب هذا الامتحان. ماذا ننتظر لوقف كوميديا "التوجيهي" السوداء؟ لماذا نستمر في هدر المال والوقت، وقد أعلن الوزير نفسه فظائع حول بعض طلبة التوجيهي"الأميين"؛ إذ وصلوا "التوجيهي" وكأني بهم يرددون "لا بقرأ ولا بكتب.. بس بطلع بعيوني".
"نفسي أعرف يا رجل مين واسطة هذا الامتحان، مين وراه هذا الامتحان. هو حصاد سنوات الدراسة كلها يدفع عليها الوطن "دم قلبه" مدارس ومعلمين ونفقات وكادر وظيفي، ويبني عليها الآباء والأبناء أحلامهم. رسوب امتحان "التوجيهي" هو إعلان رسمي برسوب النظام التعليمي كله. وهذا أمر صار محط اتفاق بين جميع المهتمين بالشأن التربوي في الأردن ويؤكده الواقع.
لذلك، يا أبوصطيف، لم يعد كافياً توصيف فشل هذا الامتحان، ولم تعد كافية شجاعة إظهاره على حقيقته، وصار لازماً اتخاذ إجراءات ثورية لوقف هذه المأساة الوطنية، ومراجعة النظام التعليمي ببرنامج تصحيح تربوي شامل؛ ليس للتوجيهي فقط، بل يبدأ تطبيقه على الصفوف الأولى من الروضة، برنامج يهدف إلى قلب النظام التعليمي رأساً على عقب، وتحويل سنوات الدراسة إلى مجموعة كفاءات سنوية يحصلها الطالب ويكون "التوجيهي" امتحان كفاءات وليس امتحان معلومات. ولحين البدء ببرنامج الإصلاح، لنبدأ حالا باتخاذ إجراءات فورية لتحد من مأساة الامتحان، تعيد النظر بسياسة القبول في الجامعات، حيث يكون لأداء الطالب في سنوات المرحلة الثانوية 60 %، و40 % لامتحانات قبول جامعية تضمن أن يدخل الطالب الجامعة ومن ثم يحدد مساره الأكاديمي والتخصص المناسب حسب كفاءاته.
في كل سنة، نكرر نفس المناهج والآليات، ويرسب هذا الامتحان. نتفاجأ، نستنكر، لكن نستمر به. "نطخ" له البارود ونقيم له الحفلات. يعني فهمني، أبو صطيف، "التوجيهي" هو قضاء وقدر، والا اختيار؟ جد فهمني جنابك!

التعليق