معضلة سوق العمل الأردنية

تم نشره في الأربعاء 27 تموز / يوليو 2016. 11:04 مـساءً

تعاني سوق العمل الأردنية من اختلالات هيكلية مزمنة. ولم تفلح السياسات والاستراتيجيات العديدة التي وضعت في إحداث أي اختراق يذكر. البيانات والمؤشرات التي تصدر عن دائرة الإحصاءات العامة؛ بشكل ربعي وسنوي، اتسمت بالثبات على مدى السنوات العشر الماضية، باستثناء معدل البطالة العام الذي يتذبذب من سنة لأخرى، بخاصة في السنوات الماضية.
وبالمقارنات الدولية، فإن الرقم العام للبطالة مرتفع ويؤشر إلى عدم صحة الاقتصاد. وبالطبع، هناك أسباب موضوعية خارجة عن سيطرة الحكومات، بخاصة إذا أخذنا مسألة الهجرات القسرية واللجوء وتصدير العمالة للدول المجاورة بعين الاعتبار. لكن مع ذلك، تبقى السياسات الاقتصادية مسؤولة عن تفسير جزء كبير من المسألة.
ليس جديداً القول إن السياسات الاقتصادية، بخاصة بعد عملية الخصخصة، لم تكن تنموية، ما أدى إلى وجود تفاوت في الأنشطة الاقتصادية من محافظة لأخرى، وأدى إلى وجود محافظات ومناطق تفتقر للمقومات الاقتصادية الأساسية.
بالولوج للخصخصة، لم تعد مهمة الحكومة توفير فرص عمل مباشرة للمواطنين، وتحول العبء للقطاع الخاص. لكن ذلك لا يعني إخلاء مسؤولية الحكومة من تهيئة البيئة والظروف لتحفيز القطاع الخاص من جانب، واتخاذ التدابير الضرورية لإعداد المواطنين للاستفادة من الفرص الاقتصادية المتاحة من جانب آخر. هنا تكمن معضلة سوق العمل الأردنية، إذ إن الاقتصاد الأردني يوفر فرص عمل، لكنها وبشكل متزايد تذهب لغير الأردنيين؛ حيث تتراوح التقديرات بشأن حجم العمالة غير الأردنية بين 35 % و40 %، وتصل في بعض القطاعات إلى 90 %، فلا توجد نسبة متفق عليها لغياب المعلومات الدقيقة عن هذا الموضوع. المتوفر لدينا هو معلومات عن الأردنيين في سوق العمل الأردنية وليس في سوق العمل الأردني بشكل عام.
إذا ما تفحصنا بيانات المتعطلين من العمل، سنجد أن النسبة الأكبر (تتجاوز 50 %) من حملة "التوجيهي" فما دون. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الغالبية الكبرى من العمالة الوافدة هي من العمالة الماهرة أو شبه الماهرة (أي ذوي المؤهلات العلمية المتدنية)، يكون السؤال: لماذا لا يعمل الأردنيون بهذه  المهن؟ لا توجد إجابة قاطعة. ولكن أريد لفت الانتباه لظروف العمل التي تعمل بها هذه الفئة، والتي تشير أغلب الدراسات إلى أنها ظروف لا تلتزم شروط "العمل اللائق"؛ من حيث الدخل أو الطريقة التي تتم بها معاملة هذه الفئة من قبل مشغليهم عموما.
القضية الثانية ترتبط بارتفاع البطالة لدى حملة الدبلوم/ البكالوريوس، أي بطالة المتعلمين الذين هم بالطبع من الشباب. هذه الفئة لا تناسبها إلا المهن التي يمكن تصنيفها بمهن الطبقة الوسطى التي هي في انحسار بسبب عدم قدرة الحكومة على تشغيل المزيد من هذه الفئة، ولأن النسبة الأكبر من المهن في القطاع الخاص هي مما يمكن تسميته مهن الطبقة العاملة التي لا تشمل فئة المتعلمين. وهذا يوجه التركيز على السياسات التعليمية في العقود السابقة التي أدت إلى التوسع غير المدروس في مؤسسات التعليم العالي وفي التخصصات التي لا يمكن أن تستوعب حجمها سوق العمل الأردنية.
الاستراتيجية الحالية لمكافحة البطالة تحتوي على عناصر مهمة بحاجة للمتابعة والتطبيق. لكن البعض منها بحاجة لمزيد من التروي والنقاش، بخاصة سياسة الإحلال التي تمت تجربتها في دول عديدة ولم تعط النتائج المطلوبة. قبل التوسع في بعض السياسات نحن بحاجة، أولاً، لإجراء دراسات على سوق العمل الأردنية، وليس فقط على الأردنيين في سوق العمل كما هو متوفر حالياً، وخاصة بعد أزمة اللجوء السوري. أما البعد الثاني، فهو أنه حتى تنجح سياسة الإحلال، لا بد من التركيز على مبدأ "العمل اللائق"، لتوفير الظروف المناسبة للأردنيين للعمل في القطاعات والمهن التي يشغلها غير الأردنيين. وهذا يتطلب جهودا حكومية مشتركة مع القطاع الخاص، مع برامج تدريبية لتهيئة الظروف لعملية إحلال العمالة الأردنية بدل الوافدة.

التعليق