"ومن الناس من يعبد الله على حرف"

تم نشره في الخميس 28 تموز / يوليو 2016. 11:00 مـساءً

أ. د. محمد خازر المجالي

يتساءل بعض الناس في أمر الله والدين، إلى درجة ربما ينكرون معها وجود الله تعالى، أو ربما يؤمنون بوجوده ولكن لا يجعلون للدين أي أثر في حياتهم. تُسهم في هذا التشويه أسئلة فرضها واقع الناس، من كثرة المآسي التي حلت وتحل بالمسلمين، مما سبب حيرة في شأن الله نفسه، أو سوء فهم النصوص المقدسة، ما أدى بدوره إلى شك فيها والاكتفاء بالإيمان العام بالله من دون تأثير للدين في حياتهم، بل ربما شكّوا في الرسالة والرسل والوحي.
وحين نستعرض تاريخ البشرية، فهو مليء بتجارب البشر الدينية؛ من عبادة لله وحده حيث الفطرة، ومن تآمر عليها بإنكار وجود الله، أو اليقين به ولكن بإشراك غيره معه، أو بفعل كثير من الأمور التي تعارض منهجه، ولكنها رغباتهم وشهواتهم. وهناك كثير من التصرفات التي يفعلها المسلم نفسه وهي بعيدة عن الدين، ولكن أحدهم ربما يحاول أن يقيم عليك الحجة أنه الفهم الصحيح للنص القرآني أو النبوي.
يُجمع العلماء على أن مسألة الفهم من أخطر القضايا التي عصفت بالمسلمين أنفسهم. ولو نظرنا في تاريخ الفرق الإسلامية ونشأتها وأدلتها، لوجدنا لوثة فكرية خطيرة. فالنص الذي يحتجون به، مثلا، هو من القرآن، ولكن كيف أدى بهم النص إلى الانحراف؟ والجواب أنه الفهم الخطأ. فهناك قواعد وأصول يُفهم بها النص القرآني، ولا يجوز تجاوزها، وإلا أدى إلى فهم مغلوط. وهؤلاء لهم آراؤهم؛ فالفكرة موجودة، ولكنهم يطوِّعون النص ليخدم فكرتهم، فالقرآن عندهم تابع غير متبوع، فالأصل هو الأهواء والآراء، ولكنهم يغلّفونها بالنص الديني خوفا من التهمة بأنهم خرجوا من الدين نفسه.
يخلط بعض الناس بين الابتلاء ووجود الله تعالى. ولا أنسى أحدهم حين دخل الإسرائيليون بيروت إذ قال: أين الله؟ وكأن الأصل أن لا يدخل اليهود لبنان، فلما دخلوا أنكر في المقابل وجود الله؛ إذ لو كان موجودا لما دخل اليهود فلسطين أو لبنان أو مصر، وهكذا. والحقيقة هي ما بيّنه الله تعالى من سنن لا تتخلف ولا تحابي أحدا؛ فإن كنا مع الله، أيّدنا ووفقنا ونصرنا، وإن كنا بعيدين عنه وعن منهجه، تخلى عنا. وقد أصابت المؤمنين هزيمة وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أُحُد، لمخالفة نعدها بسيطة، ولكن الله أراد أن يبين لنا خطورة الانحراف عن المنهج، وخطورة الخصومة والمعصية، فكان ما كان.
هناك ابتلاء يريد الله منه اختبار عبده؛ أيصبر أم لا، ويزيد له في الأجر. وهناك ابتلاء على مستوى المجتمع وربما الأمة، لتفيق من غفوتها وتنظر في حقيقة أمرها. ولا يجوز أن نحكم على مستوى الدين والتدين في الجزئية المكانية أو الزمانية؛ فلا أحكم على الإسلام من خلال وضع المسلمين في سورية مثلا، ولا من خلال سنوات ما بعد "الربيع العربي" مثلا، ولكن أنظر نظرة شاملة زمانا ومكانا لأقول إن وضع المسلمين بخير. فالمستوى العام من الالتزام بخير، وحركة الإسلام جيدة، والوعي جيد، وزيادة عدد المسلمين ومظاهر تدينهم في الغالب جيدة. صحيح أن هناك غصات وآهات وتناقضات ودماء، ولكنني في النظرة الشمولية أعلم أن الأمة بخير، وأن كثيرا من السلبيات لها أسبابها المباشرة الواضحة.
من الناس من عرف الطريق والتزمها؛ يعلم أن الله خلقه لعبادته، وأقام عليه الحجة فأرسل الرسل وأنزل الكتب، ويعلم أنها حياة مؤقتة وهناك دار آخرة سننتقل إليها ونحاسَب على ما قدمنا. وهو يستغل حياته في طاعة الله ورضوانه وعمارة الأرض وحسن المعاملة، إيجابي في ظاهره وباطنه. وهناك المقصر في هذا الفهم حسب إيمانه، ولكنه يتردد بين حالتي الالتزام والتهرب منه، وعوامل ذلك كثيرة. وهناك المقصر الواضح التقصير الذي يخرج من عقال الدين، ويتجرأ في نقده، ويحتج على فهمه بكثير من الأمور، منها واقع المسلمين هذا، بل تاريخهم ودموية الفكر الديني! ويبدأ فكره بالانحراف تدريجيا حين يوظف نصوص الدين لدعم أفكاره الخاطئة. فليته انحرف وكفى من تلقاء نفسه بما فيه من شبهات وشهوات، ولكنه يريد للدين نفسه أن يدعم انحرافه وتقصيره!
لقد أخبرنا الله عن فئة من الناس تعبده على حرف؛ وحرف الشيء طرفه، وقيل هو الشك. وهنا نستشعر أن المصلحة هي سيدة الموقف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابه شر وفتنة انقلب على عقبيه، فلم يفقه سنة الحياة، وأن هناك ابتلاء ومداولة للأيام، وأن لله تعالى مطلق التصرف في كونه وفق مشيئته، وأن علينا أن نفتش في أمورنا فهناك خطأ ما فعلناه "وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ" (الشورى، الآية 30). وهنا يضل الإنسان ويخسر دنياه وآخرته معا، وهو الخسران المبين، ويبين الله حقيقته: "يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ" (الحج، الآيتان 12 و13). فهؤلاء أصلا ليسوا مؤمنين، إذ اعتمادهم على غير الله، وثقتهم بغيره ابتداء، إذ لو عرفوا الله لما حادوا عن عبادته، ولما توجهوا إلى غيره، فالمشكلة ابتداء هي في إيمانهم الحقيقي بالله تعالى.
يحاول الإنسان عبثا أن يتمرد على فطرته ودينه بأي شكل من الأشكال. وأخشى ما نخشاه هو على فئة مقلدة فيها خير كثير، ولكن الإيمان لم يتمكن في قلوبها، وهي تبع لما تراه وتقرأه من أفكار تلامس الواقع، فيكون القرار البعيد عن الصواب. وهنا نقول إن لله تعالى أن يبتلي عباده بما يشاء، وهو الذي يداول الأيام بناء على درجة التزامنا. لقد عشنا تاريخا مجيدا وحضارة رائعة، وكل نقاط الضعف في تاريخنا هي بسبب منا، حين تخلينا عن المنهج، ووعد الله لا يتخلف: "... إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ..." (محمد، الآية 7)، "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ..." (الأعراف، الآية 96)، "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ" (النحل، الآية 112)، وهكذا. ونؤمن بأن الله ناصر دينه ولو بعد حين، ولكن لا بد من أخذ بالأسباب، ثقة بالله وعمل دؤوب، "... وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" (يوسف، الآية 21).

التعليق