الانتخابات المقبلة.. وجدل الإصلاح

تم نشره في الخميس 28 تموز / يوليو 2016. 11:04 مـساءً

خلال "الربيع العربي"، كان الأردن من بين المجتمعات العربية القليلة التي بادرت إلى اتخاذ خطوات إصلاحية في اتجاه مطالب الشارع. فإلى جانب المملكة المغربية التي أجرت تعديلات على تشريعاتها وأتاحت للأحزاب السياسية المنتخبة المشاركة الفعلية في تحمل مسؤوليات الحكم، اتخذ الأردن خطوات مهمة على طريق الإصلاح، حيث جرت مراجعة الدستور وتعديل بعض مواده، وأُسست المحكمة الدستورية والهيئة المستقلة للانتخاب ولجنة النزاهة، لتضيف إلى الإصلاحات التي أقرت قبل انطلاق "الربيع العربي" بسنوات -والمتمثلة في إنشاء هيئة مكافحة الفساد وديوان المظالم، وسن قانون إشهار الذمة المالية، وغيرها من التغييرات الهيكلية- زخما جديدا.
الاستجابات الأردنية لمطالب الإصلاح عكست رغبة الدولة في إحداث التغيير، وأثارت إعجاب المراقبين باعتبارها خطوات متسارعة باتجاه التطوير المؤسسي الذي قد يجعل من الأردن نموذجا للإصلاح الذي يتطلع إليه الشارع العربي وتحث عليه الدول الصديقة الداعمة للأردن. ففي وسط الصخب الذي أحدثه "الربيع العربي"، وعمليات المد والجزر في بعض البلدان العربية التي هبت عليها رياح التغيير، كان الأردنيون يعقدون جلسات حوارية بمشاركة القوى الحزبية والمكونات الديمغرافية والقطاعية كافة، في إطار لجنة ملكية للحوار الوطني، لإعداد مسودة لقانون الأحزاب وأخرى لقانون الانتخاب. وقد أنهت اللجنة أعمالها وتقدمت بتوصياتها التي جرى إدماج بعضها في قانون الأحزاب، والتعديلات الهيكلية الأخرى.
ما فاجأ الجميع في تلك الفترة الحرجة من تاريخ الأمة العربية، هو صدور الأوراق النقاشية الملكية. فقد جاءت في وقت تعالت فيه الأصوات المطالبة بالإصلاح من دون وجود رؤية واضحة مبلورة وموحدة لما تريد القوى المطالبة بالتغيير؛ وبأي سرعة واتجاه.
البعض، أراد العودة بالمجتمع إلى الماضي. وآخرون أرادوا التحول نحو نماذج لم يكتب لها النجاح. في هذه الأجواء، جاءت الأوراق النقاشية الملكية لتطرح أفكارا حول نوعية الإصلاح المطلوب، والخطوات التي يمكن السير فيها، ضمن إطار زمني وفي متوالية تأخذ بعين الاعتبار أولويات التغيير والمراحل التي يمكن أن يمر فيها الإصلاح، وأدوار السلطات والقوى والمكونات الاجتماعية في العملية.
وبالرغم من الأهمية التي حملتها الأوراق، لاسيما من حيث إنها صادرة عن رأس السلطة في البلاد، وكونها تحمل مضامين تشكل بمجموعها تصورا لما ينبغي اتخاذه من خطوات وما يترتب على الجميع من أدوار في بناء الديمقراطية وتعزيزها، وما يلزم من إجراءات للتمكين الديمقراطي وصولا إلى الحكومات البرلمانية، إلا أن الأوراق لم تحظ بما تستحقه من نقاش في المؤسسات والأوساط التي تتولى إدارة التغيير وتنفيذ البرامج الإصلاحية.
في الأوراق النقاشية الملكية الكثير من الأفكار التي تشكل منارات إرشادية لبرنامج أو مساعي الأردن الإصلاحية، والتي تهدف إلى الوصول في نهاية المطاف إلى حكومات برلمانية تشكلها الأحزاب التي تفوز بثقة الناخبين ممن يصوتون على برامجها. لذا، وضمن هذا التصور، فإن المتوقع أن تكون الانتخابات البرلمانية بمثابة محاكمة يجريها الناخبون للبرامج المطروحة من قبل الأحزاب القادرة على تبنيها وتنفيذها. كما يفترض أن تتضمن البرامج معالجة للقضايا والأولويات التي يراها جمهور الناخبين ويتطلعون لأن تتولى حكوماتهم التصدي لها.
المتتبع لما يجري على الساحة الأردنية اليوم، لا يرى فيما يجري من تفاعل وتحضير للانتخابات، ما يؤشر على تأثر الناخبين والمرشحين بالرؤية الإصلاحية الوطنية التي وردت في الأوراق النقاشية الملكية، والتي حاول قانون الانتخاب أن يساعد في تجسيدها من خلال تبني نظام القوائم النسبية المفتوحة.
من الناحية النظرية، يمكن أن يسهم القانون في إفراز نواب يحملون رؤى سياسية وبرامج عمل يجري التصويت عليها. لكن الواقع والممارسات تشي بغير ذلك. ففي حالة غياب الأحزاب والتنظيمات القوية واسعة الانتشار، فإن القانون اليوم في عهدة القوى التقليدية التي أضفت عليه تفسيراتها، وتعمل على تطويعه ليكون أداة محافظة، لا وسيلة تغيير وإصلاح.
وإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه حتى إجراء الانتخابات، فإن من غير المحتمل ظهور تيارات تحمل توجهات ورؤى وأفكارا مشتركة تؤهلها لتشكيل حكومات برلمانية، الأمر الذي يعيدنا إلى المربع الأول في البحث عن وصفة جديدة تقودنا نحو الأهداف التي ترمي لها البرامج الإصلاحية.

التعليق