د.أحمد جميل عزم

أتاتوركية تركيا وعثمانية أردوغان

تم نشره في الأربعاء 3 آب / أغسطس 2016. 12:07 صباحاً

قضيتُ الأسبوع الماضي خمسة أيام في إسطنبول، متنقلا في أنحائها المختلفة. وكانت فرصة لمشاهدة المدينة في مرحلة ما بعد الانقلاب. ومن دون الزعم أنّ هذه الأيام في مدينة واحدة، وعدد الأتراك المحدود الذين تحدثت إليهم، أو الفعاليات والمظاهرات التي رأيتها، تعطي صورة كاملة، إلا أنها إشارات لمجموعة مؤشرات، منها ضرورة فهم ارتباط تركيا بإرث مصطفى كمال أتاتورك، وأنّ الحديث عن إحياء الدولة العثمانية بمفهومها القديم ضرب من الخيال.
حتى بعد أسبوعين من الانقلاب، كانت المواصلات العامة في إسطنبول مجانية. وفهم الأتراك أنّ هذا لتشجيع الناس على المشاركة في التظاهرات والتجمعات المؤيدة للرئيس رجب طيب أردوغان؛ كما أنه، بشكل أو بآخر، يؤدي إلى حراك في الشوارع وتنشيط الحركة التجارية، وبالتالي يعوض الغياب النسبي للسياح.
هذا الأمر يوضح ثقة أردوغان وحزبه (العدالة والتنمية) بتأييد الشارع له. ومما يجسد هذا حملة لوحات إعلانية ضخمة في كل مكان، تحمل كلمتين "الحاكمية للشعب" (Hakimiyet Milletindir).
تلاحظ انتشارا هائلا لصور أتاتورك (1881-1938)، خصوصا في المظاهرات، مع ظهور محدود لصور أردوغان. وبحسب بعض الأتراك، فإنّ أردوغان وحزبه قد يكونون غير معنيين بشخصنة الموضوع، ومعنيين بتأكيد أن تركيا، وليس حزبهم، هي المستهدفة، وبالتالي يضمنون التفافا شعبيا أكبر، ومن ثم لا تنتشر رموز حزبهم. ومن هنا تقول الأغنية التي تسمعها في كل مكان، حتى في الميادين العامة، والتي تم تأليفها وتوزيعها بعد الانقلاب "أموت وتحيا تركيا".
لكن استحضار أتاتورك دفعني للتفكر في مدى شعبية هذا الشخص في تركيا، مقابل عملية شيطنته في مناهج التعليم العربية، ما دفعني بدوره للبحث والسؤال، لأجد إغفال مناوئيه (خصوصا في حالتنا العربية) لحقيقة أنّه قاد بعد الحرب العالمية الأولى، وأجزاء كبيرة من تركيا محتلة، المقاومة، وقاد استعادة أراضٍ كثيرة تشكل تركيا المعاصرة. وهكذا فإنه بطل مقاومة وتحرير بالنسبة للأتراك. دون أن يعني هذا التنكر للإرث العثماني، فقد ردت الدليل السياحي، التركية، بغضب مؤدب، على تعليق بشأن رفاهية قصور السلاطين: "لقد كانوا يقضون على ظهور الخيل في المعارك أكثر مما يقضون في القصور. ربما كانوا يقضون وقتا مميزا هنا، لكنهم لم يكونوا يلهون طوال الوقت".
يستغل أردوغان الانقلاب الراهن لا لتصفية حساباته مع خصومه الداخليين، وتنفيذ مخططات لا تلقى إجماعا تركيا، فقط، بل ولمحاولة تحسين العلاقة مع دول أخرى، من نوع تحميل ضباط مشاركين في الانقلاب مسؤولية إسقاط الطائرة الروسية نهاية العام الماضي، في محاولة لتحسين العلاقات مع موسكو.
في أثناء حملته الانتخابية، استخدم أردوغان مصطلحات مثل توجيه "صفعة عثمانية" للخصوم. وهنا كان يستخدم تعبيرا دارجا في تركيا، ولكنه يتحدث عن الخصوم الداخليين. وخصومه الداخليون الأوائل الآن، هم جماعة "الخدمة" ذات التوجه الإسلامي، أي التي يفترض للوهلة الأولى أن تكون أقرب لأردوغان صاحب المسحة الدينية، والتي يفترض أن يكون أعضاؤها أقرب لفكرة العثمانية والخلافة. لكن الأتاتوركيين القوميين هم الآن ضمن أعداء الانقلاب.
ربما يريد أردوغان تكريس نفسه رئيساً تاريخياً. ولكنه يدرك أنّ العلاقة الإيجابية مع العالم الخارجي حاسمة للحفاظ على التقدم الاقتصادي والتجاري والسياحي في تركيا. وباستثناء بعض الحالات، من مثل إعلان التعاطف مع قطاع غزة وفلسطين (وهو تعاطف يجتذب الرأي العام التركي، والعربي المهم اقتصادياً)، لا يبدو معنيا بلعب دور توسعي أو يستهدف الخارج سياسياً. وهو إذا كان يريد أن يرسخ نفسه "سلطاناً"، فعينه على الداخل التركي وحسب، لأنّه يصعب أن تكون أجندته سوى داخلية.
عندما حدث التوتر الروسي التركي مؤخرا، اتضح كم أن تركيا لا تستطيع المغامرة بعلاقات متوترة مع الخارج. وكان من ضمن ما فعلته لتقليص الخلافات والتوتر، التطبيع مع الإسرائيليين مجددا، فالاقتصاد التركي، الذي هو نقطة قوة أردوغان وأهم إنجازاته، لا يحتمل علاقات خارجية متوترة. وتركيا بعيدة عن أن يكون لديها من القوة ما يكفي لمد هيمنة خارجية، فضلا عن أن العالم بشكل عام في مرحلة تاريخية تختلف عن مراحل الاستعمار والامبراطوريات التقليدية.
لا يبدو هناك فرق حقيقي في هذه المرحلة بين الأتاتوركية والعثمانية بالنسبة للأتراك، والهدف تركيا قوية لذاتها.

التعليق