تربية الأطفال المسلمين الأميركيين في عصر ترامب

تم نشره في السبت 20 آب / أغسطس 2016. 11:00 مـساءً
  • مسلمون يؤدون صلاة عيد الفطر في مسجد في كاليفورنيا – (أرشيفية)

وجاهات علي* – (نيويورك تايمز) 6/8/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أنهض في الساعة الثالثة فجرا، وأتفقد ابنتي الصغيرة الجديدة، نُسيبة. وأتشمم رائحة بشرتها الطازجة العذبة، وأمسح بيدي رأسها اللينة ذات الشعر الخفيف. ومثل كل آباء وأمهات الأطفال، أفكر بمستقبلها. ماذا ستكون أول كلمة تنطق بها ابنتي؟ هل ستحب طعام جنوب آسيا الحريف، أم أن علي أن أجلب العار على نفسي وأطلب لها من النادل وجبة ببهار حار "خفيف"؟ هل سيسمح لابنتي الأميركية المسلمة بمغادرة مستعمرات اعتقال ترامب إذا كبرت لتصبح في عمر "10"؟ وهل سيجعلها ذلك مؤهلة لمسابقة "ملكة جمال ترامب"؟
كثيراً ما أفكر بمستقبل ممكن بائس عندما أرى المرشح الجمهوري البرتقالي فاقد الحس وهو يتحدث. وقد أوصى مقدماً بإجراء "تدقيق شديد" على المسلمين وقال ذات مرة إنه سيطلب "بالتأكيد" من المسلمين أن يسجلوا في قاعدة بيانات مخصوصة. ثم شن هجوماً شرساً ضد خضر وغزالة خان، والديّ الجندي الأميركي المسلم الذي قتل في العراق ونال وسام النجمة الفضية. كما تطلق كلماته العنان لمشاعر التعصب ضد المسلمين. وقد وجد استطلاع أجري في حزيران (يونيو) أن 50 في المائة من المستطلعة آراؤهم يدعمون اقتراحه بمنع المسلمين من دخول البلاد.
هذه هي الأميركا التي نربي فيها ابنينا المسلمَين. وقالت صديقة زوجتي، خديجة عبد الله، والدة طفل في السنة الأولى من عمره، إنها شاهدت مؤخراً شريط فيديو منتشرا يسأل فيه طفل صغير مسلم عما إذا كان سيُطرَد من البلد إذا أصبح دونالد ترامب رئيساً. وقالت خديجة: "لقد كسر قلبي. لا يجب أن يعيش أولادنا مع الخوف".
لم أعش مع الخوف عندما نشأتُ في فريمونت، كاليفورنيا، في الثمانينيات والتسعينيات. ووالدان، مثل عائلة خان، هما مسلمان مهاجران من باكستان أصلاً. ولم يكن والدان يحتفظان بنسختهما الخاصة من الدستور في جيوبهما، لكنهما كانا معروفين باستخراج كوبونات ميرفين ووصفات تحضير الحبوب الرائعة منها عند الطلب. كان الإسلام واقعاً نابضاً بالنسبة لنا، ممتزجاً باسترخاء بذكريات مشاهدتنا أفلام رسوم "ثندر كاتس" المتحركة أيام السبت، والاستماع إلى تسجيلات جيمي هندريكس التي يحتفظ بها والدي، ورؤية مجموعة أزياء الساري التي لدى أمي.
الآن، تحولت إلى راشد وصاحب مهنة في الثلاثينيات من العمر، تماماً مثلما كان عمر والداي عندما أنجباني. وقد قُدَّ جيلهما من فولاذ الهجرة ونعومة الزبدة. وبنى المساجد في المحلات المهجورة، وقاد أفراده سياراتهم عبر ولايتين من أجل العثور على اللحم الحلال، وأسسوا المؤسسة الأميركية المسلمة، وعملوا بدوام كامل، وربوا الأطفال، وعلمونا القرآن ووجدوا الوقت لإعداد البرياني بلحم الحمل لأفراد أسرة ممتدة تتكون من 12 فرداً يعيشون في شقة تتألف من غرفتي نوم.
أنا لا أفعل ذلك، وأستطيع بالكاد أن أتابع مهمات عملي. لكنني ما أزال أريد أن يعرف أولادي التقاليد الثقافية والدينية الغنية التي أعطِيت لي -التقاليد التي آخذها كأمر مفروغ منه.
في محادثات أخيرة مع نحو دزينة من الأصدقاء والآباء المسلمين الأميركيين، وجدت الكثير من الاتفاق على التحدي الذي نواجهه: سوف يشهد أبناؤها تعصباً مناهضاً للمسلمين لم نعرف نحن له مثيلاً. وفي الوقت نفسه، ثمة أيضاً نقاش صحي حول كيف تمكن تربية أبناء مسلمين ممارسين هنا.
قالت هينا خان-مختار، وهي أم لثلاثة أبناء وتعيش في باي، إن الطريقة الوحيدة أمامنا هي أن نتحول إلى "مسلمين سوبر". وأضافت: "في أميركا، لا تستطيع أن تكون مسلماً متوسطاً. يجب أن تكون أفضل الأفضل، ويجب أن تري أبناءك أن لديك "منتجاً متفوقاً" تعرضه لهم. هناك الكثير جداً من الأيديولوجيات التي تنادي انتباههم وولاءهم -الفردية، الإلحاد، والمادية، والتطرف. ويترتب على الإسلام أن يتفوق على هذه كلها جميعاً".
لسوء حظ أبنائي، أنني مفرط في الخمول. في رمضان الأخير، كنت أفطر في المنزل على تمرة وبعض الطعام البسيط. وكنت أصلي المغرب وحدي في غرفة العائلة، وقد حاولت زوجتي، الطبيبة بدوام كامل والأم الرائعة التي كانت حاملاً بابنتنا الثانية في ذلك الوقت، أن تبذل الجهد حتى تنضم إلي، لكن جدولها الزمني لم يكن يسعفها.
شعرت بالذنب لأن ابني، الذي يقترب الآن من سنته الثانية، كان يختبر أكثر الرمضانات إفلاساً على الإطلاق. أردت أن أزوده بنسخة 2016 مما كنت أعيشه في طفولتي، عندما كانت أمي وجدتي وأبناء العمومة وأنا نتجمع في المطبخ ونقوم بتحضير الأطعمة الهندية والسمبوسة وأطباق الفاكهة لوجبة إفطار رمضان. وكان أبي يأتي إلى المنزل ويؤم بنا في الصلاة. وفي عطلات نهاية الأسبوع، كنا نستضيف حفلات "موالد" حيث يلقي الناس الشعر في مديح النبي محمد.
أحد المسارات الممكنة لإنتاج "مسلمين فائقين" هو اتباع نموذج اليهود الأميركيين الأورثوذكس واستثمار موارد هائلة والكثير من الوقت في إنشاء مدارس حصرية أو تعاونيات للتعليم المنزلي للجالية.
ربما تحمي هذه البيئات الأطفال من استئساد الآخرين أو تسهل عليه أن يصبح مسلماً محترفاً. لكنني ذهبت إلى مدرسة ثانوية كاثوليكية للذكور حصراً، وكثيراً ما طُلِب مني أن أكون السفير الثقافي نيابة عن 1.6 مليار إنسان، وأن أشرح عن أغطية الرأس والصيام. وحتى مع أن ذلك اضطرني إلى أن أكون موسوعة تمشي على قدمين، فقد شجعني أيضاً على أن أكون أكثر جرأة في التعبير عن هويتي الإسلامية.
يُعرب ضابط الجيش، جيسون موي، زميلي القديم في المدرسة الابتدائية، عن شكوكه في فائدة المجتمعات المسلمة حصرياً. وقال لي: "العزلة الكاملة لا يمكن أن تكون استراتيجية رابحة. أنا مؤمن صارم بالسماح لأبنائنا بأن يكونوا منخرطين تماماً في الثقافة الأميركية، والعطلات والأعياد والطعام".
لحسن الحظ، يستطيع الأطفال المسلمون الأميركيون أن يجدوا النقانق الحلال في مساجدهم المحلية، التي تضاعف عددها منذ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، في إشارة إلى أن المجتمعات المسلمة قادرة على الازدهار في أميركا على الرغم من التعصب المتصاعد.
لم أكن راضياً أبداً -ثقافياً أو روحياً أو فكرياً- بشكل كامل عن معظم المساجد في منطقتي، خاصة وأن الكثير منها ما تزال تعزل النساء في مداخل جانبية. وقد بذلت جهدها وتطورت بشكل كبير، لكن هذا الخليط المربك من الإسلام السلفي والديوباندي وآثار التصوف المخفف التي صادفتها في العادة هناك لم تحرك روحي.
لهذه الأسباب، يمكن اعتبار عائلتي وأنا بدواً روحيين رُحلاً، غير موثقين إلى أي مؤسسة مخصوصة. كما يشكل راضي هاشمي، الموظف في وزارة الخارجية ووالد طفلين صغيرين، جزءا من هذا المجتمع "غير المُمَسجَد" أيضاً. وهو يستمثر في مشروع جديد يدعى "اتركوا فسحة" في فرجينيا، وهو عبارة عن بيت روحي للآباء والأمهات المسلمين الشباب، والأزواج وأبناء جيل الألفية الباحثين عن ملاذ لممارسة إسلامهم وتربية أبنائهم.
ونحن نسكن في مكان ليس بعيداً عنه، وقد أخذنا ابني إبراهيم إلى هناك لأداء صلاة العيد مؤخراً. كان يرتدي الكورتا وركض في القاعة بينما كان إمام شاب يعظنا عن التسامح وطلب منا تقديم تبرعات حتى يستطيع العابدون شراء مكانهم الخاص بحيث نتمكن أخيراً من مغادرة المكان المستأجر من مطعم أفغاني.
إننا نحاول الاحتفاظ بالكثير من الخير الذي ورثناه عن آبائنا، والتخلص من الأجزاء الفاسدة وأن نرتجل على الطريق. ويقول ويلو ويلسون، الذي يكتب سلسلة كتب القصص المصورة "السيدة أعجوبة"، والتي بطلتها فتاة مراهقة مسلمة فائقة: "سيكون علينا أن نبدأ من نقطة الصفر. في مجتمعي المحلي، كنا نناقش بنشاط فكرة خلق نوع من مساقات "مدرسة السبت"، حتى يستطيع أبناؤنا تلقي التعاليم الدينية في بيئة اجتماعية، وإنما أن يتلقوه من مصادر نثق بها وحيث نستطيع أن نشارك بفعالية". والمصادر التي لا نثق بها هي: الأئمة الغامضون غير المؤهلين والمواد الدينية اليمينية التي تُنشر هناك وراء البحار.
بدلاً من ذلك، نتوجه إلى أقراننا ونسترشد بأفضل أحكامنا الجمعية، بالإضافة إلى تقاليد بعمر قرون.
في البيت، نصلي أنا وزوجتي عمداً أمام الأطفال. وأنا أسجد متجهاً إلى مكة وأتلو الآيات بصوت عال بالعربية.
قبل أسبوعين تقريباً، أثناء صلاتي الليلية، جاء ابني ووقف إلى جواري، وأحنى رأسه وابتسم. ليس هناك إكراه في الدين، ولا يجب أن يكون. والأمر متروك له ولنسيبة ليقررا اعتناق ديننا وتقاليدنا أو رفضها. وينحصر واجبي فقط في أن أزرع فيهما البذور، بعناية.

*مؤلف مسرحية "الصليبيون المحليون"، والمدير الإبداعي لمختبرات أفينز، وهو مركز لريادة العمل الاجتماعي والابتكار.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Raising American Muslim Kids in the Age of Trump

التعليق